الباحث القرآني

(p-٥٧)ولَمّا كانَ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ أحَدٍ في كُلِّ لَمْحَةٍ مِنَّةٌ جَدِيدَةٌ في إبْقاءِ هَذِهِ الآلاتِ الثَّلاثِ، عَبَّرَ فِيها بِالمُضارِعِ، ولِمّا كانَتِ النِّعْمَةُ في العَقْلِ إنَّما هي بِهِبَتِهِ أوَّلًا ثُمَّ بِحَمْلِهِ بِهِ عَلى الخَيْرِ ثانِيًا، وكانَ أمْرُهُ خَفِيًّا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ غَيْرُ مَهْدِيٍّ في كُلِّ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ إلى ما يُسْعِدُهُ، بَلْ كانَ هَذا المُنْكَرُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَهِّلْ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، اخْتِيرَ لَهُ لَفْظُ الماضِي لِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ وجَعْلِهِ غَرِيزَةً لا تَتَحَوَّلُ وطَبِيعَةً لا تَتَبَدَّلُ، بَلْ هي غالِبَةٌ عَلى صاحِبِها، قائِدَةٌ إلى مُضارَّةٍ أوْ مُحابَّةٍ ومُسارَّةٍ وإنْ كَرِهَ، وهو السَّبَبُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الخَلاصُ مِن شَرِّ تِلْكَ الأنْكادِ في دارِ الإسْعادِ فَقالَ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ﴾ أيْ بِما آتَيْناهُ مِنَ العَقْلِ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وصارَ بِما جَعَلْناهُ لَهُ مِن ذَلِكَ سَمِيعًا بَصِيرًا عالِمًا فَصارَ مَوْضِعًا لِلتَّكْلِيفِ، رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا أيُّها النّاسُ! هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَإنَّ ما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، يا أيُّها النّاسُ إنَّما هُما نَجْدانِ: نَجْدُ خَيْرٍ ونَجْدُ شَرٍّ، فَما جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أحَبَّ إلَيْكم مِن نَجْدِ الخَيْرِ» قالَ المُنْذِرِي: النَّجْدُ هُنا الطَّرِيقُ - انْتَهى. (p-٥٧)وهُوَ طَرِيقٌ في ارْتِفاعٍ، عَبَّرَ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهِ لِإعْلائِهِما الإنْسانَ عَنْ رُتْبَةِ باقِي الحَيَوانِ، ولِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ واحِدَةً مِنهُما إلّا بِمُعاناةٍ وتَكَلُّفٍ كَمُعاناةِ مَن يَصْعَدُ في عَقَبَةٍ، والنَّجْدُ لُغَةً المَوْضِعُ العالِي، واللَّهُ تَعالى يُعْلِي مَن أرادَ عَلى ما شاءَ مِنهُما بِخِلافِ ما كانَ يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ حالِهِ مِن أنَّهُ لا يُحِبُّ تَكَلُّفَ شَيْءٍ أصْلًا، ولا يُرِيدُ الأشْياءَ تَأْتِيهِ إلّا عَفْوًا، وذَلِكَ لِأجْلِ إظْهارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا صُعُوبَةُ طَرِيقِ الخَيْرِ فَبِما حَفَّهُ بِهِ مِنَ المَكارِهِ حَتّى صارَ العَمَلُ بِهِ، مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْشَقُ اسْمَهُ ومَعْناهُ، أشَدُّ شَيْءٍ وأصْعَبُهُ، وأشَقُّهُ وأتْعَبُهُ، وأمّا صُعُوبَةُ طَرِيقِ الشَّرِّ فَواضِحَةٌ جِدًّا مَعَ أنَّ اللَّهَ يُلْزِمُهُ لِمَن أرادَ بِتَسْهِيلِهِ وتَحْبِيبِهِ وتَخْفِيفِهِ وتَقْرِيبِهِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ اسْمَهُ ويَنْفِرُ مِن مَعْناهُ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الفِطْرَةَ الأوْلى السَّلِيمَةَ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ الِاسْتِقامَةِ بِحَيْثُ تُدْرِكُ الشَّرَّ وتَنْهى عَنْهُ، وتُدْرِكُ الخَيْرَ وتَأْمُرُ بِهِ، غَيْرَ أنَّ الشَّهَواتِ والحُظُوظَ تُعالِجُها، والغالِبُ مَن أعانَهُ اللَّهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ حَدِيثُ «إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصْنَعْ ما شِئْتَ» وحَدِيثُ «البِرُّ ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ (p-٥٩)وانْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ وتَرَدَّدَ في القَلْبِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب