الباحث القرآني
(p-٥٤٠)ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَشابُهَهم في التَّمَتُّعِ بِالعاجِلِ، وخَتَمَها بِهَذا الخِتامِ المُؤْذِنِ بِالِانْتِقامِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَخْوِيفِهِمْ مِن مُشابَهَتِهِمْ فِيما حَلَّ بِطَوائِفَ مِنهم مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في الهَيْبَةِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِخَسارَتِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الأخابِثَ مِن أهْلِ النِّفاقِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: خَبَرُهُمُ العَظِيمُ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ لِيُعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: في طُولِ أعْمارِهِمْ وامْتِدادِ آثارِهِمْ وطِيبِ قَرارِهِمْ بِحُسْنِ التَّمَتُّعِ في أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ، أهْلَكَهم بِالطُّوفانِ، لَمْ يَبْقَ مِن عُصاتِهِمْ إنْسانٌ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِ القَبِيلَةِ فَقالَ: ﴿وعادٍ﴾ أيْ: في قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ ومَصانِعِهِمْ وبُنْيانِهِمْ وتَجَبُّرِهم في عَظِيمِ سُلْطانِهِمْ، أهْلَكَهم بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَفَرَ مِنهم بَشَرٌ ﴿وثَمُودَ﴾ أيْ: في تَمَكُّنِهِمْ مِن بِلادِ الحَجَرِ عَرْضِها وطُولِها، جِبالِها وسُهُولِها، أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ لَمْ يَبْقَ مِنَ الكُفّارِ مِنهم دَيّارٌ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في مُلْكِ جَمِيعِ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ، سَلَبَ اللَّهُ مِنهُمُ المُلْكَ بَعْدَ شَدِيدِ الهَلَكِ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: في جَمْعِ الأمْوالِ ومَدِّ الآمالِ إلى أخْذِها مِن حَرامٍ وحَلالٍ ونَقْصِ المِيزانِ والمِكْيالِ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّكالِ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ أيْ: في إعْراضِهِمْ عَنْ صِيانَةِ أعْراضِهِمْ في اتِّباعِ لَذائِذِ أغْراضِهِمْ، فَأثْمَرَ لَهم فِعْلُهم بَعْدَ الخَسْفِ عُمُومَ انْقِراضِهِمْ. (p-٥٤١)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَبَأُهُمْ؟ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيْ: أتى كُلَّ أمَةٍ مِنهم رَسُولُها ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ جِدًّا بِسَبَبِ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ ما أوْجَبَ دَمارَهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ”ما“ ﴿كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ مُرِيدًا ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: لِأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ في الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ وإنارَةِ البَيِّناتِ فِعْلَ مَن تَعُدُّونَهُ فِيما بَيْنَكم ظالِمًا، ولَكِنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا ما أتَوْهم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، فَصارَ العالِمُ بِحالِهِمْ إذا سَمِعَ بِهَلاكِهِمْ وبِزَوالِهِمْ يَقُولُ: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا في طُولِ أعْمارِهِمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: غَيْرَها ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِفِعْلِ ما يُسَبِّبُ هَلاكَها، فَإنْ لَمْ تَرْجِعُوا أنْتُمْ فَنَحْنُ نُحَذِّرُكم مِثْلَ عَذابِهِمْ، ولَعَلَّهُ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ لِما عِنْدَ العَرَبِ مِن أخْبارِهِمْ وقُرْبِ دِيارِهِمْ مِن دِيارِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ. ولَعَلَّهُ قَدَّمَ أصْحابَ مَدْيَنَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وهم بَعْدَهم في الزَّمانِ لِأنَّ هَذا في شَأْنِ مَن وُصِفُوا بِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا ما يَحْمِيهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ بِمُشاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَلْجَأٍ أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلً كَما أنَّ مِن قَبْلِ المُؤْتَفِكاتِ جَمَعَهم هَذا الوَصْفُ، فَقَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمْنَعْهم لَمّا أتاهُمُ الماءُ مَعْقِلٌ مَنِيعٌ ولا جَبَلٌ رَفِيعٌ مَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ بَنَوُا الأهْراماتِ، مِنها ما هو بِالحِجارَةِ لِيَمْنَعَهم مِنَ الحادِثِ الَّذِي (p-٥٤٢)هُدِّدُوا بِهِ إنْ كانَ ماءً، ومِنها ما هو بِالطُّوبِ الَّتِي لِتَحْمِيَهم مِنهُ إنْ كانَ نارًا، وعادٌ لَمّا أتَتْهُمُ الرِّيحُ بادَرُوا إلى البُيُوتِ فَقَلَعَتِ الأبْوابَ وصَرَعَتْهم في أجْوافِ بُيُوتِهِمْ، ولَمْ يُغْنِهِمْ ما كانُوا يَبْنُونَ مِنَ المَصانِعِ المُتْقَنَةِ والقُصُورِ المُشَيَّدَةِ والحُصُونِ المُمَنَّعَةِ، وحالُ ثَمُودَ مَعْرُوفٌ في تَوَسُّعِهِمْ في البُيُوتِ جِبالًا وسُهُولًا فَما مَنَعَتْهم مِنَ الصَّيْحَةِ الَّتِي أعْقَبَتِ الرَّجْفَةَ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنَوُا الصَّرْحَ، ارْتِفاعُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ أوْ فَرْسَخانِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ نَمْرُودُ كَما زَعَمَ - إلى السَّماءِ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ، ألْقَتِ الرِّيحُ رَأْسَهُ في البَحْرِ وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي وهم تَحْتَهُ، وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأصْحابُ مَدْيَنَ لَمّا أتاهُمُ العَذابُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لَمْ تُغْنِ عَنْهم مَدِينَتُهُمْ، وإنْ كانُوا هم أصْحابَ الأيْكَةِ فَإنَّهم لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الحُرُّ يَوْمَ الظُّلَّةِ قَصَدُوا المَغاراتِ فَوَجَدُوها أحَرَّ مِن وجْهِ الأرْضِ فَخَرَجُوا مِنها هارِبِينَ، فَجَمَعَتْهُمُ الظُّلَّةُ بِنَسِيمٍ بارِدٍ خَيَّلَتْهُ إلَيْهِمْ ولَبَّسَتْ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَها أحْرَقَتْهم نارُها وبَقِيَ عَلَيْهِمْ عارُها، وأمّا قَوْمُ لُوطٍ فَأتاهُمُ الأمْرُ بَغْتَةً، لَمْ يَشْعُرُوا حَتّى قَلَبَتْ مَدائِنَهم بَعْدَ أنْ رُفِعَتْ إلى عَنانِ السَّماءِ، وأُتْبِعَتْ حِجارَةَ الكِبْرِيتِ تَضْطَرِمُ نارًا، ولَعَلَّهُ خَصَّ قَوْمَ لُوطٍ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَن لَيْسَ لَهُ هَذا الوَصْفُ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَواضِعِ مَدائِنِهِمْ ويُشاهِدُونَها، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ القِصَصَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الكَذِبِ وصَرْفِ الأُمُورِ (p-٥٤٣)عَنْ ظَواهِرِها وتَقْلِيبِها عَنْ وُجُوهِها، فالمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ لَمّا قَلَبُوا فِعْلَ النِّكاحِ عَنْ وجْهِهِ عُوقِبُوا بِقَلْبِ مَدائِنِهِمْ، فَهَؤُلاءِ جَدِيرُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ العُقُوبَةِ لِقَلْبِ القَوْلِ عَنْ وجْهِهِ، ومادَّةُ ”إفْكٍ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى القَلْبِ، فَإذا كافَأْتَ الرَّجُلَ فَكَأنَّكَ قَلَبْتَ فِعْلَهُ فَرَدَّدَتْهُ إلَيْهِ وصَرَفْتَهُ عَنْكَ، وأكافُ الدّابَّةِ شُبِّهَ بِالإناءِ المَقْلُوبِ، والكَذِبُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ فَهو إفْكٌ لِذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
{"ayah":"أَلَمۡ یَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحࣲ وَعَادࣲ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَأَصۡحَـٰبِ مَدۡیَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَـٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظۡلِمَهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











