الباحث القرآني

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ ثَبَّطَهم وقَدْ كُنّا قاصِدِينَ سَفَرًا بَعِيدًا وعَدُوًّا كَثِيرًا شَدِيدًا فَنَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الإسْعادِ ولَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ! قِيلَ: و﴿لَوْ﴾ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهم لَوْ ﴿خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا قَلِيلًا مَعْمُورِينَ بِجَماعاتِكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ أيْ: بِخُرُوجِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: ما أتَوْكم بِشَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما عِنْدَكم مِنَ الأشْياءِ غَيْرِ الخَبالِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ - المُقَدَّرُ الثّابِتُ لَهُمُ الِاتِّصافُ بِهِ - هو الشَّيْءُ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي اتِّصافَ أحَدٍ مِنهم بِالخَبالِ قَبْلَ خُرُوجِ المُنافِقِينَ، والخَبالُ: الفَسادُ، وهو يُنْظَرُ عَلى الخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ﴿ولأوْضَعُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الإيضاعَ، حَذَفَ المَفْعُولَ إشارَةً إلى أنَّ مُرادَهُمُ الإيضاعُ نَفْسُهُ لا بِقَيْدِ دابَّةٍ، وعَبَّرَ بِالإيضاعِ لِأنَّهُ لِلرّاكِبِ وهو أسْرَعُ مِنَ الماشِي ﴿خِلالَكُمْ﴾ أيْ: لَأسْرَعُوا في السَّيْرِ ذَهابًا وإيابًا بَيْنَكم في تَتَبُّعِ عَوْراتِكم وانْتِظارِ زَلّاتِكم لِيَجِدُوا مِنها مَدْخَلًا إلى الفَسادِ بِالنَّمِيمَةِ وغَيْرِها إنْ لَمْ يَجِدُوها، والإيضاعُ في السَّيْرِ يَكُونُ بِرِفْقٍ ويَكُونُ بِإسْراعٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْراعُ، ومادَّةُ وضَعَ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها تَدُورُ عَلى الحَرَكَةِ، وتارَةً تَكُونُ إلى عُلُوٍّ وتارَةً إلى سُفُولٍ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ السُّكُونُ والمَحَلُّ القابِلُ لِذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ يَتَمَشّى العُضْوُ والعِوَضُ، وعَوْضٌ الَّذِي هو بِمَعْنى (p-٤٩٢)الدَّهْرِ، وضَوْعُ الرِّيحِ والتَّصْوِيتِ بِالبُكاءِ، والضَّعَةُ لِشَجَرَةٍ في البادِيَةِ، والوَضْعُ لِلطَّرْحِ في مَكانِ والسَّيْرِ اللَّيِّنِ والسَّرِيعِ؛ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ وهو الفُرْجَةُ ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ يُرِيدُونَ لَكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: بِتَشْتِيتِ الشَّمْلِ وتَفْرِيقِ الأصْحابِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] أنَّها الخَلْطَةُ المُمِيلَةُ المَحَلِّيَّةُ، أيْ: يُرِيدُونَ لَكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُكم فَغَيَّرَ حالَتَكم إلى ما يَسُوءُكم فَيَسُرُّهم ﴿وفِيكُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ فِيكم ﴿سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: في غايَةِ القَبُولِ لِكَلامِهِمْ لِضِعْفِ مَعارِفِهِمْ وآرائِهِمْ. ورُبَّما كانَ سَماعُهم مِنهم مُؤَدِّيًا إلى مَطْلُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي أخْبَرَكم بِهَذا مِن حالِهِمْ ولَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ، فَثِقُوا بِأخْبارِهِمْ. هَكَذا كانَ الأصْلُ وإنَّما قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ إشارَةً إلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الشَّقاءَ بِمَنعِهِمْ عَنْ مَوْطِنِ الخَيْرِ، وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بِالعِلْمِ بِهِمْ وبِمَن سَمِعَ لَهم وبِكُلِّ ظالِمٍ، والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ سَعْيَهم فِيهِمْ بِالفَسادِ بِمَن يُوضَعُ بِعِيرُهُ في أرْضٍ فِيها أجْرامٌ شاخِصَةٌ مُتَقارِبَةٌ، فَهو في غايَةِ الِالتِفاتِ إلى مَعْرِفَةِ ما فِيها مِنَ الفَرَجِ والتَّأمُّلِ لِذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأجْرامِ فَيَسْقِيهِ كَأْسَ الحِمامِ، فَلا شُغْلَ لَهم إلّا بُغْيَةُ فَسادِكم بِعَدَمِ وُصُولِكم إلى شَيْءٍ مِن مُرادِكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب