الباحث القرآني
ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مُخْتَلِفَةَ الهِمَمِ مُتَبايِنَةَ السَّجايا والشِّيَمِ، كانَ هَذا غَيْرَ كافٍ في التَّهْدِيدِ لِكُلِّها، فَأتْبَعَهُ تَهْدِيدًا أشَدَّ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ النُّفُوسِ فَقالَ مُنْتَقِلًا مِن أُسْلُوبِ الإقْبالِ إلى مَقامِ الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِزَواجِرِ الغَضَبِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أعْظَمَ الخَلْقِ شَفَقَةً ورِفْقًا ونَصِيحَةً لِمَن لَمْ يُزْعِمْهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّواجِرِ أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ في الدُّنْيا لِيَبْقى الدِّينُ سالِمًا ولا يَنْثَلِمَ ﴿إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ أنْتُمْ أشَدُّ شَيْءٍ تَوْقِيرًا لَهم ﴿وأبْناؤُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيْكم وأحَبُّهم إلَيْكم ﴿وإخْوانُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم مِن أُصُولِكم فَهم كَأنْفُسِكم ﴿وأزْواجُكُمْ﴾ أيِ: اللّاتِي هُنَّ سَكَنٌ لَكم ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي بِها تَمامُ الرّاحَةِ وقِيامُ العِزِّ والمَنَعَةِ وهم أهْلُ الإنْسانِ الأدْنَوْنَ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ما هو مُقَدَّمٌ عَلى المالِ عِنْدَ أُولِي الهِمَمِ العَوالِ قالَ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها بِالمُعالَجَةِ مِنَ الأسْفارِ (p-٤٢٢)وغَيْرِها لِمَعاشِكم ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ أيْ: لِفَواتِ أوْقاتِ نِفاقِها بِسَبَبِ اشْتِغالِكم بِما نَدَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَيُفَوِّتُ - عَلى ما تَتَوَهَّمُونَ - ما بِهِ قَوامُكم ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: لِأنَّها مَجْمَعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولَقَدْ رَتَّبَها سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَإنَّ الأبَ أحَبُّ المَذْكُورِينَ لِما هُنا مِن شائِبَةِ النُّصْرَةِ، وبَعْدَهُ الِابْنُ ثُمَّ الأخُ ثُمَّ الزَّوْجُ ثُمَّ العَشِيرُ الجامِعُ لِلذُّكُورِ والإناثِ ثُمَّ المالُ المَوْجُودُ في اليَدِ ثُمَّ المُتَوَقَّعُ رِبْحُهُ بِالمَتْجَرِ، وخَتَمَ بِالمَسْكَنِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي كَلُّ ما تَقَدَّمَ أسْبابٌ لِلِاسْتِرْواحِ فِيهِ والتَّجَمُّلِ بِهِ ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ، ومَتى شاءَ سَلَبَكُمُوهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي أتاكم بِما بِهِ حِفْظُ هَذِهِ النِّعَمِ في الدّارَيْنِ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيِ: لِرَدِّ الشّارِدِ مِن عِبادِهِ إلَيْهِ وجَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظِرُوا مُتَرَبِّصِينَ - تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَبْلُغُهُ أوْصافُكم ولا تَحْتَمِلُهُ قُواكم.
ولَمّا كانَ مَن آثَرَ حُبَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى حُبِّهِ تَعالى، كانَ مارِقًا مِن دِينِهِ راجِعًا إلى دِينِ مَن آثَرَهُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَيُصِيبُكم بِقارِعَةٍ لا تُطِيقُونَها ولا تَهْتَدُونَ إلى دَفْعِها بِنَوْعِ حِلْيَةٍ؛ لِأنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأنْفُسِكم مُنابَذَةَ الهِدايَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَطْبُوعٌ في الفِسْقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ (p-٤٢٣)﴿الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا ما عِنْدَهم مِن قُوَّةِ القِيامِ فِيما يُرِيدُونَ مِنَ الفَسادِ حَتّى صارَ الفِسْقُ - وهو الخُرُوجُ مِمّا حَقُّهُ المُكْثُ فِيهِ والتَّقَيُّدُ بِهِ وهو هُنا الطّاعَةُ - خُلُقًا مِن أخْلاقِهِمْ ولازِمًا مِن لَوازِمِهِمْ، بَلْ يَكِلُهم إلى نُفُوسِهِمْ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
{"ayah":"قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَ ٰنُكُمۡ وَأَزۡوَ ٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَ ٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











