الباحث القرآني

(p-٣٤)ولَمّا كانَ الَّذِي يَأْمُرُ بِسُلُوكِ طَرِيقٍ ثُمَّ يَتْرُكُ فِيها ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ إنَّما يُؤْتى عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ أوِ النِّسْيانِ، نَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ الإضْلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] أيْ بالِغُ العِلْمِ فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَفاءٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ فَهو يَبِينُ لَكم جَمِيعَ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الهُدى، وما تَرَكَهُ فَهو إنَّما يَتْرُكُهُ رَحْمَةً لَكم ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] فَلا تَبْحَثُوا عَنْهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ فَهو قادِرٌ عَلى نُصْرَةِ مَن يُرِيدُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ يُرِيدُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ إلّا فِيهِ ولا يُبْغِضَ إلّا فِيهِ ولا يَهْتَمَّ بِعَداوَةِ أحَدٍ مِمَّنْ عاداهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَهُ﴾ أيْ بِكُلِّ اعْتِبارٍ تَعُدُّونَهُ مِنَ اعْتِباراتِ الكَمالِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهو خَبِيرٌ بِكُلِّ ما يَنْفَعُكم ويَضُرُّكم وهو ولِيُّكُمْ، يُبَيِّنُهُ لَكُمْ، ومَن كانَ لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ كانَ بِحَيْثُ لا يَسْتَعْصِي عَلى أمْرِهِ شَيْءٌ: عِلْمٌ ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ العِلْمَ مِن أعْظَمِ القُوى والقُدَرِ، ولا يَكُونُ المَلِكُ إلّا عالِمًا قادِرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ قُدْرَتَهُ وعِلْمَهُ بِما يُشاهَدُ مُتَكَرِّرًا مِن فِعْلِهِ في الحَيَوانِ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ بِكُلِّ مَعْنًى فَهو الَّذِي أحْياكم وغَيْرَكُمُ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ وخَصَّكم أنْتُمْ بِالحَياةِ الإيمانِيَّةِ، وكَما جَعَلَ غَيْرَكم بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وجَمَعَهم كُلَّهم عَلى وِلايَةِ عَدُوِّهِمُ الشَّيْطانِ جَعَلَكم (p-٣٥)أنْتُمْ أوْلِياءَ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ؛ فَهو ولِيُّكم وناصِرُكم ”وما“ أيْ والحالُ أنَّهُ ”ما لَكم“ ولَمّا كانَ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجُوزَ كُلَّ ما دُونَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ قَرِيبٍ يَفْعَلُ مَعَكم مِنَ الحِياطَةِ والنُّصْحِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِنَ النُّصْرَةِ وغَيْرُهُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَنْصُرُهُ غَيْرُ قَرِيبِهِ قالَ. ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: فَلا تُوالُوا إلّا مَن كانَ مِن حِزْبِهِ وأهْلِ حُبِّهِ وقُرْبِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِمَن أقْدَمَ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ لا سِيَّما المُلايَنَةُ لِأعْداءِ اللَّهِ مِنَ المُساتِرِينَ والمُصارِحِينَ، فَإنَّ غايَةَ ذَلِكَ مُوالاتُهم وهي لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب