الباحث القرآني
ولَمّا تَقَدَّمَ الإنْكارُ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَنِ النَّفْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] - الآيَةَ. ثُمَّ الجَزْمُ بِالأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. وكانَ أمْرُهُ تَعالى كافِيًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي صَدَقَ إيمانُهُ بِالإسْلامِ في امْتِثالِهِ لِذَلِكَ في مَنشَطِهِ ومَكْرَهِهِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم قَدْ فَعَلُوا بِتَثاقُلِهِمْ ما يَقْدَحُ في (p-٢٣)إيمانِهِمْ طَعَمًا في سَتْرِهِ بِمَعاذِيرِهِمْ وإيمانِهِمْ، اقْتَضى المَقامُ تَبْكِيتَ المُتَثاقِلِينَ وتَأْنِيبَ المُنافِقِينَ عَلى وجْهٍ مُهَتِّكٍ لِأسْتارِهِمْ مُكْشِفٌ لِأسْرارِهِمْ. فَلَمّا اسْتَوْفى تَعالى في ذَلِكَ أقْسامَهُمْ، ونَكَّسَ ألْوِيَتَهم وأعْلامَهُمْ، وخَتَمَهم بِهَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها امْتِثالُهُ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] بِأنْ هَدَّ مَسْجِدَهم وحَرَّقَهُ بِالنّارِ وأزالَ بُنْيانَهُ وفَرَّقَهُ وقَدَّ أدِيمَهُ عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ ومَزَّقَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ ما أمَرَهم بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] لِيَفْعَلُوا فِيهِ ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما أُمِرَ بِهِ، فَساقَ مَساقَ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ طالَ المَدى وعَظُمَ الخَطْبُ في هَذِهِ السُّورَةِ في إبانَةِ الفَضائِحِ وهَتْكِ السَّرائِرِ وإظْهارِ القَبائِحِ، فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ بِالأمْرِ بِالسَّتْرِ وأخْذِ العَفْوِ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، ولا يُخْشى إلّا عَذابُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ،
﴿اشْتَرى﴾ [أيْ] بِعُهُودٍ أكِيدَةٍ ومَواثِيقَ غَلِيظَةٍ شَدِيدَةٍ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى اللَّجاجِ فِيها فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِاللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ، وقَدَّمَ النَّفْسَ إشارَةً إلى المُبايَعَةِ سابِقَةً عَلى اكْتِسابِ المالِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْأعَزِّ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِها ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِرِزْقِها وهو يَمْلِكُها دُونَهم.
(p-٢٤)ولَمّا ذَكَرَ المَبِيعَ أتْبَعَهُ الثَّمَنَ فَقالَ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ خاصَّةً بِهِمْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ، لا يَكُونُ لِغَيْرِ مُؤْمِنٍ، فَمَيَّزَهم حَتّى يُقابَلَ كُلٌّ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرى مِنهم ذَلِكَ بِماذا؟ فَقِيلَ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ الأعْلى] بِسَبَبِ دَيْنِهِ الَّذِي لا يَرْضى غَيْرَهُ، قِتالًا يَكُونُ الدِّينُ مُحِيطًا بِهِ وظَرْفًا، فَلا يَكُونُ فِيهِ شائِبَةٌ لِغَيْرِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو حَقِيقٌ بِهِ، فَقالَ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ أعَمُّ مَن يَكُونُ ذَلِكَ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ، فَيَخُصُّهم بِالجَنَّةِ كَما وعَدَهُمْ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ «أمْدَحُ»، لِأنَّ مَن طَلَبَ المَوْتَ - لا يَقِفُ لَهُ خَصْمُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَطَلَبُوا أنْ يَكُونُوا مَقْتُولِينَ فَقَتَلُوا أقْرانَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم يُقاتِلُونَ بَعْدَ رُؤْيَةِ مَصارِعِ أصْحابِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوهِنَهم ذَلِكَ، وعَنْ بَعْضِ الأعْرابِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَيْعٌ واللَّهِ مُرْبِحٌ! لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ فاسْتُشْهِدَ.
ولَمّا كانَ القَتْلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ بِشارَةً ووَعْدًا، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدًا﴾ وزادَهُ بِحَرْفِ الإيجابِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ وأتَمَّ التَّأْكِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ ولَمّا أكَّدَ هَذِهِ المُبايَعَةَ الكَرِيمَةَ هَذِهِ التَّأْكِيداتِ العَظِيمَةَ زادَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ في جَمِيعِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ فَقالَ: ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ (p-٢٥)كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والإنْجِيلِ﴾ كِتابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والقُرْآنِ﴾ أيِ الكِتابِ الجامِعِ لِكُلِّ ما قَبْلَهُ ولِكُلِّ خَيْرٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّهم مِمَّنِ ادَّعى الإيمانَ وارْتَدى بِهِ حُلَلَ الأمانِ، ثُمَّ إنَّهم فَعَلُوا بِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الإقْباضِ وتَوَقُّفِهِمْ عَنِ الإسْراعِ والإيقاضِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ ومَساوِئِ أفْعالِهِمْ فِعْلَ الكاذِبِ في دَعْواهُ أوِ الشّاكِّ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كَذِبٌ بِالآخِرَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الجَنَّةِ أوْ يَكُونَ شَكٌّ في وعْدِ اللَّهِ بِإيراثِهِمْ إيّاها أوْ بِتَخْصِيصِهِمْ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَدْخُلَها غَيْرُهُمْ، وطَمِعَ أنْ يَكُونَ هو مِمَّنْ يَدْخُلُها مَعَ التَّكْذِيبِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وهو وفِيٌّ بِعَهْدِهِ ﴿ومَن﴾ أيْ وعَدَ بِذَلِكَ والحالُ أنَّهُ أوْفى المُعاهِدِينَ فَهو مَقُولٌ فِيهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: مَن ﴿أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإخْلافَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ الكِرامُ مِنَ النّاسِ فَكَيْفَ بِخالِقِهِمُ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّبْشِيرِ، لِأنَّهُ لا تَرْغِيبَ في الجِهادِ أحْسَنُ مِنهُ، قالَ مُهَنِّئًا لَهُمْ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا﴾ أيْ فَأوْجِدُوا في نُفُوسِكم غايَةَ البِشْرِ يا مَعاشِرَ المُجاهِدِينَ، ولَمّا ذَكَرَهُ في ابْتِداءِ العَقْدِ يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، ذَكَرَهُ في آخِرِهِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى السِّعَةِ إشارَةً إلى سِعَةِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ﴾ (p-٢٦)أيْ: أوْقَعْتُمُ المُبايَعَةَ لِلَّهِ ﴿بِهِ﴾ فَإنَّهُ مُوَفِّيكم لا مَحالَةَ فَذَلِكَ هو الأجْرُ الكَرِيمُ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ إيراثُكُمُ الجَنَّةَ وتَخْصِيصُكم بِها ﴿هُوَ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فالحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالنَّفْرِ بِالنَّفْسِ والمالِ.
{"ayah":"۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَ ٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَیَقۡتُلُونَ وَیُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَیۡهِ حَقࣰّا فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُوا۟ بِبَیۡعِكُمُ ٱلَّذِی بَایَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











