الباحث القرآني

ولَمّا كانَ هَذا قَسَمًا عَظِيمًا في ذِكْرِ تِلْكَ اللَّيالِي المُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ تِلْكَ المَشاعِرِ وما فِيها مِنَ الجُمُوعِ والبُكاءِ كَما قالَ أبُو طالِبٍ في قَصِيدَتِهِ اللّامِيَّةِ المَشْهُورَةِ: ؎ولَيْلَةَ جُمِعٍ والمَنازِلُ مِن مِنى ∗∗∗ وهَلْ فَوْقَها مِن حُرْمَةٍ ومَنازِلِ وفِي تَذْكِيرِهِ بِالبَعْثِ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً واضِحَةً بِالإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ مَعَ ما لِهَذِهِ الأشْياءِ في أنْفُسِها وفي نُفُوسِ المُخاطَبِينَ بِها مِنَ الجَلالَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مَعَ ما لَهُ مِن عَلِيِّ الأمْرِ وواضِحِ القَدْرِ ﴿قَسَمٌ﴾ أيْ كافٍ مُقْنِعٍ ﴿لِذِي﴾ أيْ صاحِبُ ﴿حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ فَيُحَجِّرُهُ ويَمْنَعُهُ عَنِ الهَوى في (p-٢٥)دَرْكِ الهَوى، فَيُعْلِيهِ إلى أوْجِ الهُدى، في دُرْجِ العُلا، حَتّى يَعْلَمَ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا القَسَمُ لا يَتْرُكُهُ سُدًى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ مالِكًا نَفْسَهُ قاهِرًا لَها ضابِطًا: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ [انْتَهى، فَمَن بَلَغَ أنْ يُحَجِّرَهُ عَقْلُهُ عَنِ المَآثِمِ ويَحْمِلَهُ عَلى المَكارِمِ فَهو ذُو حِجْرٍ]. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ابْتَدَأ سُبْحانَهُ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وجْهًا آخَرَ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهو أنْ يَتَذَكَّرُوا حالَ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ وما أعْقَبَهم تَكْذِيبَهم واجْتِرامَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُرْتَكِباتِ الخَلائِقِ ولا يَغِيبُ عَنْهُ ما أكَنُّوهُ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] فَهَلّا اعْتُبِرَ هَؤُلاءِ بِما يُعايِنُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن خَلْقِ الإبِلِ ورَفْعِ السَّماءِ ونَصْبِ الجِبالِ وسَطْحِ الأرْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِمَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ، فالإبِلُ لِأثْقالِهِمْ وانْتِقالِهِمْ، والسَّماءُ لِسَقْيِهِمْ وإظْلالِهِمْ، والجِبالُ لِاخْتِزانِ مِياهِهِمْ وأقْلالِهِمْ، والأرْضُ لِحَلِّهِمْ وتَرْحالِهِمْ، فَلا بِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها اسْتُبْصَرُوا، ولا بِمَن خَلا مِنَ القُرُونِ اعْتَبَرُوا، ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] عَلى عَظِيمِ طُغْيانِها وصَمِيمِ بُهْتانِها ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَيَتَذَكَّرُونَ (p-٢٦)حِين لا يَنْفَعُ التَّذَكُّرُ ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] - انْتَهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب