الباحث القرآني

(p-٣٨٧)سُورَةُ سَبِّحْ وتُسَمّى الأعْلى قالَ المَلْوِيُّ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُحِبُّها - ] لِكَثْرَةِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ والخَيْراتِ – مَقْصُودُها إيجابُ التَّنْزِيهِ لِلْأعْلى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَلْحَقَ ساحَةَ عَظَمَتِهِ شَيْءٌ مِن شَوائِبِ النَّقْصِ كاسْتِعْجالٍ في أمْرٍ مِن إهْلاكٍ لِلْكافِرِينَ أوْ غَيْرِهِ أوِ العَجْزِ عَنِ البَعْثِ أوْ إهْمالِ الخَلْقِ سُدًى يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِغَيْرِ حِسابٍ، أوْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِما [لا - ] يُطابِقُ الواقِعَ أوْ بِما يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِهِ كَما أذِنَتْ بِذَلِكَ الطّارِقُ مُجْمَلًا وشَرَحَتْهُ هَذِهِ مُفَصَّلًا، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ كُلٌّ مِنِ اسْمِها سَبِّحْ والأعْلى ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ العُلى كُلُّهُ فَلا نَقْصَ يَلْحَقُهُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ جُودُهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ هو الَّذِي أوْجَدَهُ وكُلُّ حَيَوانٍ هو الَّذِي يُرَبِّيهِ ويَرْزُقُهُ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي [مَن - ] كانَ مِن حِزْبِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الطّاعَةَ ويُيَسِّرُها لَهُ ويُوَفِّقُهُ. * * * (p-٣٨٨)لِما تَضَمَّنَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ في آخِرِ الطّارِقِ بِالإمْهالِ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِعْجالِ الَّذِي هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِكَوْنِهِ [نَقْصًا- ]، وأشارَ نَفْيُ الهَزْلِ [عَنِ القُرْآنِ -] - إلى أنَّهم وصَمُوهُ بِذَلِكَ وهو في غايَةِ البُعْدِ [عَنْهُ - ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ فِيها ونَزَّهَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أمَرَ أكْمَلَ خَلْقِهِ رَسُولَهُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنُ ﷺ بِتَنْزِيهِ اسْمِهِ لِأنَّهُ وحْدَهُ العالِمُ بِذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ، وإذا نُزِّهَ اسْمُهُ عَنْ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وثَنًا أوْ غَيْرَهُ أوْ يَضَعُهُ في غَيْرِ ما يَلِيقُ بِهِ، كانَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ أشَدَّ تَنْزِيهًا، فَقالَ مُرَغِّبًا في الذِّكْرِ لا سِيَّما بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي هو نَفْيُ المُسْتَحِيلاتِ لِأنَّ التَّخَلِّي قَبْلَ التَّحَلِّي، شارِحًا لِأُصُولِ الدِّينِ مُقَدِّمًا لِلْإلَهِيّاتِ الَّتِي هي النِّهاياتُ مِنَ الذّاتِ ثُمَّ الصِّفاتُ لا سِيَّما القَيُّومِيَّةُ ثُمَّ الأفْعالُ عَلى النُّبُوّاتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ النُّبُوَّةَ لِيَعْرِفَ العَبْدُ رَبَّهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، فَيَزُولُ عَنْهُ داءُ الجَهْلِ المُوقِعُ في التَّقْلِيدِ، وداءُ الكِبْرِ المُوقِعُ في إنْكارِ الحُقُوقِ، فَيَعْتَرِفُ بِالعُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، لا مُثْنِيًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالجَلالِ ثُمَّ الجَمالِ فَيَعْبُدُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ امْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ: ﴿سَبِّحِ﴾ أيْ نَزَّهَ وبَرِئَ تَنْزِيهًا وتَبْرِئَةً عَظِيمَتَيْنِ جَدًّا قَوِيَّتَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بَعْدَ إيجادِكَ عَلى صِفَةِ الكَمالِ بِتَرْبِيَتِكَ (p-٣٨٩)عَلى أحْسَنِ الخِلالِ حَتّى كُنْتَ في غايَةِ الجَلالِ والجَمالِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُحْتاجًا في أنْ تَكُونَ حَياتُهُ طَيِّبَةً لِيَتَمَكَّنَ مِمّا يُرِيدُ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: كَبِيرٌ يَنْتَمِي إلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ رِفْعَةٌ يَنْفَعُهُ بِها عِنْدَ مُهِمّاتِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ ضَرُوراتِهِ، ومُقْتَدى يَرْبُطُ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ مُلِمّاتِهِ، وطَرِيقَةٌ مُثْلى تَرْتَكِبُها كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا ورَسُولًا وبِالإسْلامِ دِينًا» أرْشَدَهُ ﷺ إلى أنَّ الِانْقِطاعَ إلَيْهِ أعْلى الجاهِ، فَقالَ واصِفًا لِمَن أمَرَهُ بِتَسْبِيحِهِ بِإثْباتِ ما لَهُ مِنَ الواجِباتِ بَعْدَ نَفْيِ المُسْتَحِيلاتِ كَما أشارَ إلَيْهِ ”سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ“: ﴿الأعْلى﴾ [أيِ - ] الَّذِي لَهُ وصْفُ الأعْلَوِيَّةِ في المَكانَةِ لا المَكانُ عَلى الإطْلاقِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ وكُلِّ سُوءٍ مِنَ الإلْحادِ في شَيْءٍ مِن أسْمائِهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وإطْلاقِهِ إلى غَيْرِهِ مَعَ زَعْمٍ أنَّهُما فِيهِ سَواءٌ، وذَكَرَهُ خالِيًا عَنِ التَّعْظِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيَكُونَ راسِخًا في التَّنْزِيهِ فَيَكُونُ مِن أهْلِ العِرْفانِ الَّذِينَ يُضِيئُونَ عَلى النّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ في الرُّسُوخِ كالأوْتادِ الشّامِخَةِ الَّتِي هي مَعَ عُلُوِّها لا تَتَزَحْزَحُ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ (p-٣٩٠)هَذا المَعْنى مُعَبِّرًا عَنْهُ بِجَمِيعِ جِهاتِهِ [الأرْبَعِ - ] في ابْتِداءِ سُوَرِ أرْبَعٌ اسْتِيعابًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ الحُسْنى الشَّرِيفَةِ مِن جَمِيعِ جِهاتِها. فابْتَدَأ سُورَةَ الإسْراءِ الَّتِي هي سُورَةُ الإحْسانِ بِ ”سُبْحانَ“ المَصْدَرُ الصّالِحُ لِجَمِيعِ مَعانِيهِ إعْلامًا بِأنَّ هَذا المَعْنى ثابِتٌ لَهُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِن زَمانٍ أوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ ثَنى بِالماضِي في أوَّلِ الحَدِيدِ والحَشْرِ والصَّفِّ تَصْرِيحًا بِوُقُوعِ ما أفْهَمَهُ المَصْدَرُ في الماضِي الَّذِي يَشْمَلُ أزَلَ الآزالِ إلى وقْتِ الإنْزالِ، ثُمَّ ثُلْثٌ في أوَّلِ الجُمْعَةِ والتَّغابُنِ بِالمُضارِعِ لِأنْ يَفْهَمَ مَعَ ما أفْهَمَ المَصْدَرَ والماضِي دَوامَ التَّجَدُّدِ، فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ تَوَجَّهَ الأمْرُ فَخُصَّتْ بِهِ سُورَتُهُ، وقَدْ مَضى في أوَّلِ الحَدِيدِ والجُمْعَةِ ما يُتَمِّمُ هَذا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب