الباحث القرآني

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم يَرَوْنَ جَمِيعَ عَذابِهِمْ إذْ ذاكَ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ هو المَجْمُوعُ بَلْ هو فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ فَلِهَذا عَمِلَ عَلَيْهِ الجِنْسُ وهو نُزُلُهم والأمْرُ أطَمُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ الوَصْفُ. ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ مِنَ العَذابِ الَّذِي جَرَّهُ إلَيْهِمْ إقْبالُهم عَلى الدُّنْيا بادِئًا بِهِ لِأنَّ المَقامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ لِلْوَعِيدِ وصَوادِعِ التَّهْدِيدِ، أتْبَعَهُ ما لِلْمُصَدِّقِينَ الَّذِينَ أقْبَلَ بِهِمْ إلى السَّعادَةِ تَرْكَ الحُظُوظِ وإعْراضِهِمْ عَنْ عاجِلِ شَهَواتِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حَسَناتِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الِاتِّساعِ في شَرْحِ صُدُورِهِمْ، واتِّساعِ عُقُولِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ وزَكائِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَحاسِنِ أُمُورِهِمْ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أيْ أماكِنَ مَنسُوبَةً إلى العُلُوِّ، وقَعَ النَّسَبُ أوَّلًا إلى فِعْلِيٍّ ثُمَّ جَمَعَ [وإنْ كانَ -] لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وأخَواتِهِ، قالَ الكِسائِيُّ: إذا جَمَعَتِ العَرَبُ ما لا يَذْهَبُونَ فِيهِ إلى أنَّ لَهُ بِناءً مِن واحِدٍ واثْنَيْنِ فَإنَّهم يَجْمَعُونَ بِالواوِ والنُّونِ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ - انْتَهى، فَهي دَرَجاتٌ مُتَصاعِدَةٌ تَصْعَدُ إلى اللَّهِ ولا تَحْجُبُ (p-٣٢٦)عَنْهُ كَما يَحْجُبُ ما لِلْأشْقِياءِ بَعْضُها فَوْقَ [بَعْضٍ - ] إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ بِحَسَبِ رُتَبِ الأعْمالِ، وكُلُّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الأبْرارِ في مَكانٍ لَحِقَ بِهِ كَما أنَّ مَن كانَ كِتابُهُ مِنَ الفُجّارِ في سِجِّينٍ لَحِقَ بِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: مَن تَرَقّى عِلْمُهُ عَنِ الحَواسِّ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَنْ مُقْتَضى الشَّهْوَةِ والغَضَبِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلِيًّا، ومَن كانَ عِلْمُهُ وإدْراكُهُ مَقْصُورًا عَلى الحَواسِّ والخَيالِ والأوْهامِ وفِعْلُهُ عَلى مُقْتَضى الشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ في سِجِّينٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب