الباحث القرآني

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ فَلا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ والكَمالَ الأكْمَلَ فَلا يَفْعَلُ إلّا ما يُرِيدُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في الإقْدامِ والإحْجامِ لِجَهْلِكم بِالعَواقِبِ، وتِلْكَ الطّاعَةُ أمارَةُ إخْلاصِكم في الذِّكْرِ ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ بِأنْ يُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ نَزْعَ مالِ صاحِبِهِ مِن رَأْيٍ وغَيْرِهِ وإثْباتَ ما لَهُ، وأشارَ إلى عَظِيمِ ضَرَرِ التَّنازُعِ بِبَيانِ ثَمَرَتِهِ المُرَّةِ فَقالَ: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أيْ: تَضْعُفُوا؛ قالَ في القامُوسِ: فَشِلَ كَفَرِحَ، (p-٢٩٤)فَهُوَ فَشِلٌ، كَسَلَ وضَعُفَ وتَراخِي وجَبُنَ. انْتَهى. والمادَّةُ راجِعَةٌ إلى الفَيْشَلَةِ وهي الحَشَفَةُ، ومِن لازِمِها الرَّخاوَةُ ويَنْشَأُ عَنِ الرَّخاوَةِ الجُبْنُ مَعَ الصَّلَفِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. ولَمّا كانَ الفَشَلُ رُبَّما كانَ مَعَهُ الظَّفَرُ لِفَشَلٍ في العَدُوِّ أكْثَرَ مِنهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، عَطَفَ ما يَلْزَمُهُ غالِبًا بِالواوِ دُونَ الفاءِ فَقالَ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ: غَلَبَتُكم وقُوَّتُكُمْ، وأصْلُهُ أنَّ الرِّيحَ إذا كانَتْ في الحَرْبِ مِن جِهَةِ صَفٍّ كانَتْ في وُجُوهِ أعْدائِهِمْ فَمَنَعَتْهم بِما يُرِيدُونَ فَخُذِلُوا فَصارَتْ كَأنَّها قُوَّةُ مَن أتَتْ مِن عِنْدِهِ، فَصارَتْ يُكَنّى بِها عَنْها؛ ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الأسْبابَ بِالجامِعِ لِشَمْلِها النّاظِمِ لِمَقاصِدِ أهْلِها فَقالَ: ﴿واصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى ما يَكُونُ مِن تِلْكَ المَشاقِّ فَإنَّكم إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّ أعْداءَكم كَذَلِكَ، وأنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما يَكُونُ عَنْهُ النَّصْرُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: لِأنَّهم لا يَصْبِرُونَ إلّا اعْتِمادًا عَلَيْهِ، ومَن كانَ مَعَهُ عُزَّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها - كَما قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ في آخِرِ كِتابِ الفُرُوسِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ: تَدْبِيرُ الحُرُوبِ أحْسَنَ جَمْعٍ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَأمَرَ فِيها بِخَمْسَةِ أشْياءَ ما اجْتَمَعَتْ قَطُّ في فِئَةٍ إلّا انْتَصَرَتْ وإنْ قَلَّتْ في جَنْبِ عَدُوِّها، وخامِسُها مِلاكُ ذَلِكَ وقِوامُهُ وأساسُهُ وهو الصَّبْرُ، فَعَلى هَذِهِ الدَّعائِمِ الخَمْسِ تُبْنى قُبَّةُ النَّصْرِ، ومَتى زالَتْ (p-٢٩٥)أوْ بَعْضُها زالَ مِنَ النَّصْرِ بِحَسْبِهِ، وإذا اجْتَمَعَتْ قَوّى بَعْضُها بَعْضًا وصارَ لَها أثَرٌ عَظِيمٌ، لَمّا اجْتَمَعَتْ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمْ تَقُمْ لَهم أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَفَتَحُوا البِلادَ شَرْقًا وغَرْبًا ودانَتْ لَهُمُ العِبادُ سِلْمًا وحَرْبًا، ولَمّا تَفَرَّقَتْ فِيمَن بَعْدَهم وضَعُفَتْ آلَ الأمْرُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما تَرى - فَلا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، والجامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنَّها مُوجِبَةٌ لِتَأْيِيدِ المُطِيعِ بِقُوَّةِ مَن هو في طاعَتِهِ، وذَلِكَ سِرُّ قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ في بابِ: ”عَمَلٌ صالِحٌ قَبْلَ القِتالِ“: إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ؛ وهو شَرْعٌ قَدِيمٌ، قالَ في أثْناءِ السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: وإنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكم وتَحَفَّظْتُمْ وعَمِلْتُمْ بِكُلِّ هَذِهِ الوَصِيَّةِ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ يُبارِكْ عَلَيْكُمُ اللَّهُ رَبُّكم كَما قالَ لَكُمْ، وتُرْزَقُونَ إنْ تُقْرِضُوا شُعُوبًا كَثِيرَةً ولا تُقْرَضُونَ، وتُسَلَّطُونَ عَلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ ولا يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب