الباحث القرآني
ولَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَ البَيْتِ ما يُنَزَّهُ البَيْتُ عَنْهُ مِمّا هو غايَةٌ في الجَهْلِ، قالَ مُبَيِّنًا لِجَهْلِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ لِلنَّكالِ وبُعْدِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ وِلايَتِهِ: ﴿وما كانَ صَلاتُهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى الخُشُوعِ، وزادَ في التَّبْشِيعِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ: فِعْلُهُمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ صَلاةً أوْ يُبَدِّلُونَها بِهِ ﴿إلا مُكاءً﴾ أيْ: صَفِيرًا يُشْبِهُ صَفِيرَ الطَّيْرِ والدُّبُرِ بِرِيحِ الحَدَثِ - مِن مَكا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً - إذا صَفَّرَ بِفِيهِ أوْ شَبَّكَ أصابِعَهُ ونَفَخَ فِيها، ومَكَّتِ الشَّجَرَةُ بِرِيحِها: صَوَّتَتْ، والدُّبُرُ بِرِيحِ الحَدَثِ: صَوَّتَ - قالَ أبُو حَيّانَ: وجاءَ عَلى فُعالٍ أيْ: بِالضَّمِّ ويَكْثُرُ فُعالٌ في الأصْواتِ كالصُّراخِ. انْتَهى.
﴿وتَصْدِيَةً﴾ أيْ: وتَصْفِيقًا، كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُراةً ويُصَفِّرُونَ بِأفْواهِهِمْ ويُصَفِّقُونَ بِأيْدِيهِمْ مَقْصُورَةً، فَيَكُونُ تَصْوِيتُهم ذَلِكَ يُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٧٥)رَجَّعَ الصَّوْتَ في المَكانِ الخالِي، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّ صَلاتَهم لا مَعْنى لَها، وأصْلُهُ صَدَّدَ - مُضاعَفٌ - إذا أعْرَضَ ومالَ مِثْلَ التَّظَنِّي مِن ظَنَّنَ -، فَهَذا لَهْوٌ لا عِبادَةٌ وهَزْءٌ لا جَدَّ مَعَ أنَّ الأمْرَ جِدٌّ وأيُّ جِدِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: ولا تَبْكُونَ في حالِ جِدِّكم بِدَأْبِكم في العَمَلِ الصّالِحِ، فَهَذا الَّذِي يَعْمَلُونَهُ مُنافٍ لِحالِ البَيْتِ فَهو تَخْرِيبٌ لا تَعْمِيرٌ، قالَ مُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى في المَسْجِدِ قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ يَمِينِهِ يُصَفِّرانِ ويُصَفِّقانِ، ورَجُلانِ كَذَلِكَ عَنْ يَسارِهِ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ،» وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ: صَلاتَهم - بِالنَّصْبِ: وما كانَ شَيْءٌ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً صَلاتَهُمْ، فَنَفى عَمّا يَجْعَلُونَهُ صَلاةَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، فالصَّلاةُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِما بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَقَدْ صارَتْ بِهَذا الطَّرِيقِ بِمَعْنى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ سَواءً فَتَأمَّلْهُ؛ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وخُرِّجَ عَلَيْهِ الخِلافُ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] وغَيْرِهِ، وقَدْ مَضى هُناكَ ما يَنْفَعُ هُنا، ومِمّا يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ أعْلى الذَّمِّ، بَلْ ذَمَّهم لِكَوْنِهِمُ اتَّخَذُوا العِبادَةَ لَعِبًا لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلى ذَمِّ مَن أشْبَهَهم في ذَلِكَ فَعَمَدَ إلى ما هو مُباحٌ في أصْلِهِ فاتَّخَذَهُ دِينًا فَكَيْفَ إذا كانَ مَكْرُوهًا أمْ كَيْفَ إذا كانَ حَرامًا، فَقَبَّحَ اللَّهُ قَوْمًا ادَّعَوْا أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيا ثُمَّ اتَّخَذُوا الطُّبُولَ والغِنى والتَّصْدِيَةَ شِعارَهم ثُمَّ ضَرَبُوا بِهِ حَتّى فَعَلُوهُ في (p-٢٧٦)المَساجِدِ وزادُوا عَلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ الرَّقْصَ الَّذِي ابْتَدَعَهُ قَوْمُ السّامِرِيِّ لَمّا عَبَدُوا العِجْلَ، فَأخَذُوا أنْواعًا مِن أفْعالِ أنْواعٍ مِنَ الكَفَرَةِ وجَعَلُوها عادَتَهم وشِعارَهم ودِيانَتَهُمْ، فَلَقَدِ انْتَهَكُوا حُرُماتِ الشَّرِيعَةِ وبَدَّلُوها واسْتَهانُوا بِها واسْتَرْذَلُوها.
ولَمّا كانَ مَساقُ الكَلامِ لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنهُ وكانَ قَدْ أوْقَعَ بِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مَبادِيهِ، وكانَتِ المُواجَهَةُ بِالتَّعْنِيفِ وقْتَ إيقاعِ ما لا يُطاقُ بِالعَدُوِّ إنْكاءً، قالَ مُسَبَّبًا عَنْ قَبِيحِ ما كانُوا يَرْتَكِبُونَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: الَّذِي تَوَعَّدَكُمُ اللَّهُ والَّذِي رَأيْتُمُوهُ بِبَدْرٍ وطَلَبْتُمُوهُ في اسْتِفْتائِكم حُكْمَ الِاسْتِهانَةِ بِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: إنَّكم قَدْ صِرْتُمْ بِهَذا الفِعْلِ أهْلًا لِذَوْقِهِ بِما تَسْتُرُونَ مِمّا دَلَّتْكم عَلَيْهِ عُقُولُكم مِن هَذا الحَقِّ الواضِحِ.
{"ayah":"وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَیۡتِ إِلَّا مُكَاۤءࣰ وَتَصۡدِیَةࣰۚ فَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











