الباحث القرآني
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما دَعا السّامِعَ إلى أنْ يَقُولَ: ما لِلْقادِرِ لَمْ يَقْبَلْ بِمَن هَذا شَأْنُهُ إلى الخَيْرِ؟ أجابَ بِأنَّهُ جَبَلَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ - ولَهُ أنْ يَفْعَلَ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يُرِيدُ - جِبِلَّةً عَرِيقَةً في الفَسادِ، وجَعَلَ جَواهِرَهم شِرِّيرَةً كَجَوْهَرِ العَقْرَبِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّأْدِيبَ بِوَجْهٍ ولا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا لَسِبَتْهُ، فَعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَتَرَكَهم عَلى ما عَلِمَ مِنهم ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: قَبُولًا لِلْخَيْرِ ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: إسْماعًا هو الإسْماعُ، وهو ما تَعْقُبُهُ الإجابَةُ المُسْتَمِرَّةُ. (p-٢٤٩)ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطًا، وجَبَ أنْ يَعْلَمَ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا، فَكانَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ عَدَمِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ التَّقْدِيرُ هُنا: ولَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ خَيْرًا، بَلْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُسْمِعْهم هَذا الإسْماعَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِن عَدَمِ القابِلِيَّةِ لِلْخَيْرِ إسْماعًا قَسَرَهم فِيهِ عَلى الإجابَةِ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إجابَتِهِمْ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ إعْراضُهم مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ، ولَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى إجابَتِهِمْ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مُلاءَمَةِ الشَّرِّ ومُباعَدَةِ الخَيْرِ، فَلَمْ يُرِيدُوا الإسْلامَ وأهْلَهُ بَعْدَ إقْبالِهِمْ إلّا وهْنًا، وكَما كانَ لِأهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُرْتَدِّينَ بَعْدَ أنْ كانُوا دَخَلُوا في الإسْلامِ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ ورَغْبَةً في المالِ وهو مِن وادِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أرْبَعَةُ أقْسامٍ: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، وجُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والآخَرانِ عِلْمٌ بِالقَدَرِ، والآيَةُ مِنَ القِسْمِ الأخِيرِ، ولَعَمْرِي إنّا دُفِعْنا إلى زَمانٍ أغْلَبُ مَن فِيهِ عَلى قَرِيبٍ مِن هَذا الأمْرِ، أجْرَأُ النّاسِ عَلى الباطِلِ، وأثْبَتُهم في المُصاوَلَةِ فِيهِ، وأوْسَعُهم حَبْلًا في التَّوْصِيلِ إلَيْهِ، وأجْبَنُهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ (p-٢٥٠)إلى الحَقِّ، وأسْرَعُهم نُكُوصًا عِنْدَ الإقْدامِ بَعْدَ جُهْدٍ عَلَيْهِ، وألْكَنُهم عِنْدَ الجِدالِ لَهُ، فَصارَ ما كانَ مُقَدَّرًا مَفْرُوضًا حاصِلًا ومَوْجُودًا، وكَلِمَةُ: ”لَوْ“ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي يُعَلَّقُ بِها أمْرٌ عَلى آخَرَ هو بِضِدِّهِ أوْلى فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ المُعَلَّقَ وهو الثّانِي مَوْجُودٌ دائِمًا مِثْلَ قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فالمُرادُ هُنا عَلى هَذا أنَّهم إذا كانُوا يَتَوَلَّوْنَ مَعَ الإسْماعِ والإجابَةِ، فَتَوَلِّيهِمْ مَعَ عَدَمِهِما أوْلى - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الرّازِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِها مِن أنِ الجُزْأيْنِ بَعْدَها مَنفَيّانِ، وانْتِفاءُ التَّوَلِّي إنَّما يَكُونُ خَيْرًا إذا نَشَأ عَنِ الإسْماعِ المُتَرَتِّبِ عَلى عِلْمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وأمّا عَدَمُهُ لِعَدَمِ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المَوْصُوفَ لِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَيْسَ مِنَ الخَيْرِ في شَيْءٍ بَلْ هو شَرٌّ مَحْضٌ، التَّوَلِّي المَنفِيُّ عَنْهم لَيْسَ هو المَوْجُودَ مِنهُمْ، بَلْ هو النّاشِئُ عَنِ الإسْماعِ المَوْصُوفِ فَلا يُناقِضُ ادِّعاؤُهُ تَحَقُّقَ عِنادِهِمْ وعَدَمَ انْقِيادِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو زِيادَةُ التَّوَلِّي النّاشِئَةُ عَنِ الإسْماعِ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم لَزادُوا إعْراضًا، فالمَنفِيُّ في هَذا السِّياقِ تِلْكَ الزِّيادَةُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
{"ayah":"وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِیهِمۡ خَیۡرࣰا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











