الباحث القرآني

ولَمّا ذَكَرَ ما تَغَيَّبَهُ مِن جِبالِ العِلْمِ والمُلْكِ وغَيْرِهِما، أتْبَعَهُ ما تُبْرِزُهُ مِنَ الشَّواهِقِ إعْلامًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ الفِعْلُ لِلطَّبِيعَةِ ما كانَ الأمْرُ هَكَذا، فَإنَّهُ لا يُخْرِجُ هَذِهِ الجِبالَ العَظِيمَةَ عَلى ما لَها مِنَ الكِبَرِ والرُّسُوخِ والثِّقَلِ والصَّلابَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ إلّا الفاعِلُ المُخْتارُ، هَذا إلى ما يَحْفَظُ في أعالِيها مِنَ المِياهِ الَّتِي تُنْبِتُ الأشْجارَ وتُخْرِجُ العُيُونَ والأنْهارَ، بَلْ أكْثَرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المِياهِ هو مِنها، وكَذا غالِبُ المَنافِعِ مِنَ المَعادِنِ وغَيْرِها قالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيِ الأرْضِ ﴿رَواسِيَ﴾ لَوْلاها لَمادَتْ بِأهْلِها، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ مَراسِيها مِن فَوْقِها خِلافًا لِمَراسِي السُّفُنِ ﴿شامِخاتٍ﴾ أيْ [هِيَ -] مَعَ كَوْنِها ثَوابِتَ في أنْفُسِها مُثْبِتَةً لِغَيْرِها طُوالَ جِدًّا عَظِيمَةَ الِارْتِفاعِ كَأنَّها قَدْ تَكَبَّرَتْ عَلى بَقِيَّةِ الأرْضِ وعَلى مَن يُرِيدُ صُعُودَها، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ. ولَمّا كانَ مِنَ العَجائِبِ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ فَوَرانُ الماءِ الَّذِي مِن طَبْعِهِ أنْ يَغُورَ لا أنْ يَفُورَ لِما لَهُ مِنَ الثِّقَلِ واللَّطافَةِ الَّتِي أفادَتْهُ قُوَّةُ السَّرَيانِ في الأعْماقِ وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ مِن مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ دُونَ آخَرَ، وكَوْنُهُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي هي أصْلُ الأرْضِ ومِن صُخُورِها غالِبًا دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْواحِدِ المُخْتارِ الجِبالُ القَهّارُ لا لِلطَّبائِعِ قالَ: ﴿وأسْقَيْناكُمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَكم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ شَرابًا لِسَقْيِكم وسَقْيِ ما تُرِيدُونَ سَقْيَهُ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ماءً﴾ مِن لِأنْهارِ (p-١٧٦)والغُدْرانِ والعُيُونُ والآبارِ وغَيْرِها ﴿فُراتًا﴾ أيْ عَظِيمًا عَذْبًا سائِغًا وقَدْ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ مِلْحًا أُجاجًا لِما لِلْأراضِي المُمْسِكَةِ لَهُ مِن ذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب