الباحث القرآني

ولَمّا كانَ مِنَ المُقَرَّرِ المَعْلُومِ الَّذِي هو في أقْصى غاياتِ الظُّهُورِ أنَّ مَن طَلَبَهُ المَلِكُ [طَلَبَ -] عَرْضٍ وحِسابٍ [وثَوابٍ -] وعِقابٍ يَلُومُ نَفْسَهُ في كَوْنِهِ لَمْ يُبالِغْ في العَمَلِ بِما يُرْضِي المَلِكَ والإخْلاصَ في مُوالاتِهِ، والتَّحَيُّزَ إلَيْهِ ومُصافاتِهِ. وكانَ أكْثَرَ لَوْمِ النَّفْسِ واقِعًا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وكانَ إدْراكُها لِلَّوْمِ المُرَتَّبِ عَلى إدْراكِ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ومَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُما مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ الخالِقِ وكَمالِ عَظَمَتِهِ المُوجِبِ لِإيجادِ ذَلِكَ اليَوْمِ (p-٨٦)لِإظْهارِ عَظَمَتِهِ و[حُكْمِهِ و-] حِكْمَتِهِ قالَ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ عَلى حَدِّ ما مَضى في [أنَّ -] الباءَ صِلَةٌ أوْ سَبَبٌ ﴿اللَّوّامَةِ﴾ أيِ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها وهي خَيِّرَةٌ وشِرِّيرَةٌ، فالخَيِّرَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ فِيهِ والأُخْرى [تَكُونُ -] سَبَبًا لِلْهَلاكِ فِيهِ، فَإنْ لامَتْ عَلى الشَّرِّ أوْ عَلى التَّهاوُنِ بِالخَيْرِ أنْجَتْ، وإنْ لامَتْ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ أهْلَكَتْ، وكَيْفَما كانَتْ لا بُدَّ أنْ تَلُومَ، وهي [بَيْنَ -] الأمارَةِ والمُطْمَئِنَّةِ، فَما غُلِبَ عَلَيْها مِنهُما كانَتْ في حَيِّزِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: فالمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي انْقادَتْ لِأوامِرِ اللَّهِ، والأمّارَةُ المُخالِفَةُ لَها المُتَّبِعَةُ لِلْهَوى، واللَّوّامَةُ هي المُجاهِدَةُ، فَتارَةً لَها اليَدُ وتارَةً عَلَيْها، وهي نَفْسُ الإنْسانِ خاصَّةً لِأنَّها بَيْنَ طَوْرَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ والكَمالِ والنُّقْصانِ والصُّعُودِ والهُبُوطِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ، قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والخَمْسِينَ مِن مَعارِفِهِ: وهي نَفْسٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَغايِرَةٌ، فالمَلائِكَةُ في دَرَجَةِ الكَمالِ، والحَيَواناتُ الأُخَرُ في دِرْكَةِ النُّقْصانِ. ولِهَذا جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ و[بَيْنَ -] اللَّوّامَةِ، لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ لِلْآدَمِيِّ دُونَ المَلائِكَةِ (p-٨٧)والحَيَواناتِ العُجْمِ، واللَّوّامَةُ يَشْتَدُّ لَوْمُها في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عَدَمِ الخَيْرِ أوْ عَدَمِ الزِّيادَةِ مِنهُ، لا أُقْسِمُ عَلى ذَلِكَ بِهَذا الَّذِي هو مِن أدَلِّ الأُمُورِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ القَسَمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب