الباحث القرآني
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا كُلُّهُ أنَّ الإنْسانَ مَحْجُوبٌ في هَذِهِ الدّارِ عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما فِيهِ مِنَ الحُظُوظِ والكَسَلِ والفُتُورِ، لِما فِيهِ مِنَ النَّقائِصِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ مُبَرَّءًا مِن ذَلِكَ لِخَلْقِ [اللَّهِ -] لَهُ كامِلًا وتَرْقِيَتُهُ بَعْدَ مِيلادِهِ كُلَّ يَوْمٍ في مَراقِي الكَمالِ حَتّى صارَ إلى حَدٍّ لا يَشْغَلُهُ [عَنِ العُلُومِ -] شَيْءٌ فَكانَ بِحَيْثُ يَرى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ البُيُوتِ كَمَواقِعِ القَطْرِ، ويَرى مِن ورائِهِ كَما يَرى مِن أمامِهِ، ويَقُولُ: «واللَّهِ لا يَخْفى عَلَيَّ خُشُوعُكم ولا رُكُوعُكم إنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» وكانَ ﷺ يَرى في أشَدِّ الظَّلّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ ﷺ مِن رِقَّةِ الجَوْهَرِ الَّذِي لَمْ يَنَلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الكَشْفِ التّامِّ ولَكِنَّهُ [كانَ -] (p-٩٨)ﷺ لِتَعْظِيمِهِ لِهَذا القُرْآنِ لِما لَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الجَلالَةِ ولِما فِيهِ مِن خَزائِنِ السَّعادَةِ والعُلُومِ الَّتِي لا حَدَّ لَها فَتُسْتَقْصى، ولِأنَّهُ كَلامُ المَلِكِ الأعْظَمِ، وبِأمْرِهِ نَزَلَ إلَيْهِ ﷺ مَعَ رَسُولِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يُعالِجُ عِنْدَ سَماعِهِ أوَّلَ ما يَأْتِيهِ شِدَّةٌ، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ اسْتِعْجالًا بِتَعَهُّدِهِ لِيَحْفَظَهُ ولا يَشِذَّ عَنْهُ مِنهُ شَيْءُ، وكانَ قَدْ خَتَمَ سُبْحانَهُ ما قَبْلَها بِالمَعاذِيرِ، وكانَتِ العَجَلَةُ مِمّا يَعْتَذِرُ عَنْهُ، وكانَ الحامِلُ عَلى جَمِيعِ ما يُوجِبُ المَلامَةَ والِاعْتِذارَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حُبِّ العاجِلِ، قالَ سُبْحانَهُ نَتِيجَةً عَنْ هَذِهِ المُقَدِّماتِ المُوجِبَةِ لِانْكِشافِ الأشْياءِ لِلْإنْسانِ المُوجِبِ لِلْإخْبارِ بِها والخَوْفِ مِن عَواقِبِها لِئَلّا يَمِيلَ إلى العاجِلَةِ ولا يَقَعُ في مُخالَفَةٍ لَوْلا ما شَغَلَهُ بِهِ مِنَ الحَجْبِ إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ دَفَعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الحُجُبَ وأوْصَلَهُ مِن رُتْبَةِ «لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدَدْتَ يَقِينًا» إلى أنْهاها، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِن كَشْفِ ما يُرِيدُ لِمَن يُرِيدُ كَما يَكْشِفُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَنْ أعْمالِهِ في القِيامَةِ حَتّى يَصِيرَ يَعْرِفُ ما قَدَّمَ مِنها وما أخَّرَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ﷺ لا كَسْبَ لَهُ في هَذا القُرْآنِ (p-٩٩)بِغَيْرِ حُسْنِ التَّلَقِّي إبْعادًا لَهُ عَنْ قَوْلِ البَشَرِ وتَمْهِيدًا بِما يُحَرِّكُ مِن لِسانِهِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ تَمامِ الإلْقاءِ لِذَمِّ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي هو تَذْكِرَةُ مَن شاءَ ذَكَرَهُ لَوْلا حِجابُ المَشِيئَةِ، وقَدْ كَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى حِجابَ المَشِيئَةِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ وشاءَ أنْ يَذْكُرَهُ حِينَ قالَ ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] لِأنَّهُ ما نَزَلَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ مِنهُ إلّا وقَدْ شاءَ ذَلِكَ ﴿لِسانَكَ﴾ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ حَرَكَةٌ إلّا في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّحْرِيكِ فائِدَةٌ مَعَ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا قَصَدَ الطّاعَةَ بِالعَجَلَةِ، وكانَتِ العَجَلَةُ هي الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ أوانِهِ الألْيَقِ بِهِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُثابًا عَلى ذَلِكَ أعْظَمَ الثَّوابِ لِأنَّهُ لا حامِلَ لَهُ عَلَيْهِ إلّا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ ما يَأْتِي مِنهُ، وجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلَّةً وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فَقالَ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ بِحَمْلِهِ وأخْذِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرَغَ مِن إلْقائِهِ إلَيْكَ رَسُولُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ، لِأنَّ هَذِهِ العَجَلَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الكَمالاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ وإلى إخْوانِكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] (p-١٠٠)لِأنَّها مِنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ الَّتِي تَلُومُ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ إلى أفْعالِ الخَيْرِ فَغَيْرُها مِن أفْعالِ المُطْمَئِنَّةِ أكْمَلُ مِنها، فَنَقَلَ ﷺ مِن مَقامٍ كامِلٍ إلى أكْمَلِ مِنهُ، وكانَ هَذا الكَلامُ المُتَعَلِّقُ بِالقُرْآنِ والَّذِي بَعْدَهُ فُرْقانًا بَيْنَ صِفَتِيِ اللَّوّامَةِ في الخَيْرِ واللَّوّامَةِ في الشَّرِّ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في المُدَّثِرِ حِكايَةً ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ في وصْفِ حالِ القِيامَةِ جَرَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] أيْ أنَّ الَّذِي خُيِّلَ بِهِ المُتَقَوِّلُ في القُرْآنِ أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سِحْرٌ والآخَرُ أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ، والعِلْمُ اليَقِينُ حاصِلٌ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ، وأمّا الثّانِي فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْشى أنْ لا يُتْقِنَ حِفْظَهُ فَتَدْخُلَ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ مَثَلًا فَيَكُونُ مِن قَوْلِ البَشَرِ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ العَجَلَةِ وضَمِنَ لَهُ الحِفْظَ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ مِن مَجَرّاتِهِ:
{"ayah":"لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦۤ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











