الباحث القرآني

ولَمّا عَظُمَ القِيامَةُ بِكَشْفِ الأسْرارِ فِيها والإنْباءِ بِها، وكانَ الشَّأْنُ أنَّ الإنْسانَ لا يُنَبَّأُ إلّا بِما هو جاهِلٌ لَهُ أوْ غائِبٌ عَنْهُ، و[كانَ -] مِمّا يَخِفُّ عَلى الإنْسانِ في الدُّنْيا النِّسْيانُ، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ كَشْفِ الغِطاءِ، زادَهُ عِظَمًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ يَجْلُو بَصِيرَةَ الإنْسانِ حَتّى يَصِيرَ مُسْتَحْضِرًا لِجَمِيعِ ما لَهُ مِن شَأْنٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ جاهِلًا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا مُحْتاجًا إلى الإنْباءِ بِهِ، قالَ بانِيًا عَلَيْهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ﴾ [أيْ كُلُّ -] واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ خاصَّةً ﴿بَصِيرَةٌ﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أعْمالِهِ، فالهاءُ لِلْمُبالَغَةِ - يَعْنِي أنَّهُ في غايَةِ المَعْرِفَةِ لِأحْوالِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ وأنْعَمَ النَّظَرَ ولَمْ يَقِفْ مَعَ الحُظُوظِ عَرَفَ جَيِّدَ فِعْلِهِ مِن رَدِيئِهِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ الفِطَرَ الأُولى شاهِدَةٌ بِالخَيْرِ والشَّرِّ - كَما أشارَ إلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «البِرُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ وتَرَدَّدَتْ فِيهِ النَّفْسُ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ [الخَشَنِيِّ-] (p-٩٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» - رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ في ذَلِكَ [اليَوْمَ -] قُوَّةَ الذِّكْرى حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ كُلُّها بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنْهُ الشَّواغِلَ البَدَنِيَّةَ ويَكْشِفُ عَنْهُ الحُجُبَ النَّفْسانِيَّةَ حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ مُمَثَّلَةً لَهُ كَأنَّهُ يَراها ولا تَنْفَعُهُ مَعْذِرَتُهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِنَفْسِ وُجُودِهِ لا بِشَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ تارَةً يَكُونُ خالِقُهُ أوْجَدَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ وسَلامَةِ الأسْبابِ المُزِيلَةِ لِلْعِلَلِ وتارَةً بِإنْطاقِ جَوارِحِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب