الباحث القرآني

(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ مَحاسِنَ الأعْمالِ تَدْفَعُ الأخْطارَ والأوْجالَ، وتُخَفِّفُ الأحْمالَ الثِّقالَ، ولا سِيَّما الوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ المُتَعالِ، والتَّجَرُّدُ في خِدْمَتِهِ في ظُلُماتِ اللِّيالِ، فَإنَّهُ نِعْمَ الإلَهُ لِقَبُولِ الأفْعالِ والأقْوالِ، ومَحْوِ ظُلَلِ الضَّلالِ، والمُعِينُ الأعْظَمُ عَلى الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، لِما يَرِدُ مِنَ الكُدُوراتِ في دارِ الزَّوال، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، واسْمُها المُزَّمِّلِ أدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقالِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الكافِي مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والبَيانِ المَهْدِيِّ والضّالِّ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ ( الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالسَّدادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ لِإيصالِهِمْ إلى دارِ الكَمالِ. * * * (p-٢)لَمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ الجِنِّ مِن تَعْظِيمِ الوَحْيِ وأنَّ مِن تَعْظِيمِهِ حِفْظَ المُرْسَلِ بِهِ مِن جَمِيعِ الآفاتِ المُفْتِرَةِ عَنْ إبْلاغِهِ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ونَدْبِ نَبِيِّهِ الَّذِي ارْتَقاهُ لِرِسالَتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى ما أرادَهُ مِن غَيْبِهِ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ إلى القِيامِ بِأعْباءِ النُّبُوَّةِ بِالمُناجاةِ بِهَذا الوَحْيِ في وقْتِ الأُنْسِ والخَلْوَةِ بِالأحْبابِ، والبَسْطِ والجِلْوَةِ لِمَن دَقَّ البابَ، لِلِاعْتِلاءِ والمَتابِ، المَهِيِّئِ لِحَمْلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ، والمُقَوِّي عَلى أثْقالِ المُعالِجَةِ لِأهْلِ الضَّلالَةِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الصّالِحَةِ لِلْقِرَبِ والبَعْدِ المُخْتَصَّةِ بِأنَّهُ لا يُقالُ بَعْدَها إلّا الأُمُورُ الَّتِي هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أشارَ إلى أنَّهُ ﷺ يُرادُ بِهِ غايَةَ القُرْبِ بِالأُمُورِ البَعِيدَةِ عَنْ تَناوُلِ الخَلْقِ بِكَوْنِها خَوارِقَ لِلْعاداتِ ونَواقِضَ لِلْمَأْلُوفاتِ المُطَّرِداتِ، وأمّا التَّزَمُّلُ فَهو وإنْ كانَ مِن آلاتِ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مِنَ الأُمُورِ العادِيَّةِ، فَهو دُونَ ما يُرادُ مِنَ التَّهْيِئَةِ لِذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ، وبِالتَّزَمُّلِ لِكَوْنِهِ مُنافِيًا لِلْقِيامِ في الصَّلاةِ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ الَّذِي أخْفى شَخْصَهُ وسِتْرَ أمْرِهِ وما أمَرْناهُ بِهِ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّزَمُّلُ الَّذِي مَدْلُولُهُ التَّلَفُّفُ في الثَّوْبِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ والِاخْتِفاءِ ولُزُومِ مَكانٍ واحِدٍ، ولِأنَّهُ يَكُونُ مُنْطَرِحًا عَلى الأرْضِ كَما قالَ ﷺ في قَتْلى [أُحُدٍ - ]: «زَمِّلُوهم بِثِيابِهِمْ (p-٣)ودِمائِهِمْ"» مَعَ الإشارَةِ إلى الإخْفاءِ أيْضًا بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ، ورُبَّما أشارَ الإدْغامُ إلى أنَّ السَّتْرَ بِالثَّوْبِ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ البَدَنِ، كَما يَأْتِي في المُدَّثِرِ عَلى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِالقُوَّةِ عَلى حَمْلِ أعْباءِ ما يُرادُ بِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: زَمَلَ الشَّيْءُ - إذا رَفَعَهُ وحَمَلَهُ، والِازْدِمالُ: احْتِمالُ الشَّيْءِ، وزَمَّلْتُ الرَّجُلَ عَلى البَعِيرِ وغَيْرِهِ - إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، ومِن زَمَلَتِ الدّابَّةُ في عَدْوِها - إذا نَشَطَتْ، والزّامِلُ مِن حُمُرِ الوَحْشِ الَّذِي كَأنَّهُ يَظْلَعُ مِن نَشاطِهِ، ورَجُلٌ إزْمِيلٌ: شَدِيدٌ، والزّامِلَةُ: بَعِيرٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ الرَّجُلُ لِحَمْلِ طَعامِهِ ومَتاعِهِ عَلَيْهِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ بِالأمْرِ: هو ابْنُ زَوْمَلَتِها، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يا أيُّها المَخْفِيُّ ما تَظْهَرُهُ عَلَيْهِ مِن آثارِ الخُصُوصِيَّةِ! هَذا أوانُ كَشْفِهِ، وقالَ [عِكْرِمَةُ - ]: يا أيُّها الَّذِي حَمَلَ هَذا الأمْرَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أرادَ يا أيُّها النّائِمُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الوَحْيِ بِالنُّبُوَّةِ، والمُدَّثِرُ في ابْتِداءِ الوَحْيِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ خُوطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب