ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ وظِيفَتِهِ بَيانًا لِرِسالَتِهِ فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وكَأنَّ أبْوابَ كُفْرِهِمْ كانَتْ كَثِيرَةً فَجَمَعَ بِاعْتِبارِها أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُعْجِزاتِهِ أوْ تَعَدُّدِ نَوْباتِ الوَحْيِ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ والمَعانِي المُخْتَلِفَةِ، أوْ أنَّهُ جَمَعَ لَهُ ما أرْسَلَ بِهِ مَن قَبْلَهُ كَإدْرِيسَ - جَدِّهِ - وهو ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وشِيثٍ وهو خَمْسُونَ صَحِيفَةً - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وجَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، لا أزِيدُ فِيها ولا أُنْقِصُ مِنها - كَما هو شَأْنُ كُلِّ رَسُولٍ مُطِيعٍ-. (p-٤٣٠)ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِن صِفاتِ الفِعْلِ اكْتَفى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْصَحُ﴾ وقَصَرَ الفِعْلَ ودَلَّ عَلى تَخْصِيصِ النُّصْحِ بِهِمْ ومَحَّضَهُ لَهم، فَقالَ: ﴿لَكُمْ﴾ والنَّصِيحَةُ: الإرْشادُ إلى المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ، ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِنَ الجَهْلِ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن صِفاتِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وسائِرِ شُؤُونِهِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن عَظِيمِ أخْذِهِ لِمَن يَعْصِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ لَكم قابِلِيَّةٌ لِعِلْمِهِ بِغَيْرِ سِفارَتِي فَخُذُوهُ عَنِّي تَصِيرُوا عُلَماءَ، ولا تَتْرُكُوهُ بِنِسْبَتِي إلى الضَّلالِ تَزْدادُوا ضَلالًا.
{"ayah":"أُبَلِّغُكُمۡ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّی وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ"}