ولَمّا أوْصَلَ إلَيْهِما هَذا المَعْنى أخْبَرَ أنَّهُ أكَّدَهُ تَأْكِيدًا عَظِيمًا كَما يُؤَكِّدُ الحالِفُ ما يَحْلِفُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وقاسَمَهُما﴾ أيْ: أقْسَمَ لَهُما، لَكِنْ ذَكَرَ المُفاعَلَةَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ بَيْنَهُما في ذَلِكَ مُراوَغاتٌ ومُحاوَلاتٌ بَذَلَ فِيها الجُهْدَ، وأكَّدَ - لِمَعْرِفَتِهِ أنَّهُما طُبِعا عَلى النُّفْرَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ - ما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكُما﴾ فَأفادَ تَقْدِيمَ الجارِّ المُفْهِمَ لِلِاخْتِصاصِ أنَّهُ يَقُولُ: إنِّي خَصَصْتُكُما بِجَمِيعِ نَصِيحَتِي ﴿لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الِاحْتِرازِ مِنَ الحالِفِ، وأنَّ الأغْلَبَ أنَّ كُلَّ حَلّافٍ كَذّابٌ، فَإنَّهُ لا يَحْلِفُ إلّا عِنْدَ ظَنِّهِ أنَّ سامِعَهُ لا يُصَدِّقُهُ، ولا يَظُنُّ ذَلِكَ إلّا هو مُعْتادٌ لِلْكَذِبِ.
{"ayah":"وَقَاسَمَهُمَاۤ إِنِّی لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ"}