الباحث القرآني
ولَمّا وصَفَها بِالعُتُوِّ عَلى الخَلْقِ والغَلَبَةِ لَهم بِحَيْثُ كانَتْ خارِقَةً لِلْعادَةِ لَمْ يَأْتِ مِثْلُها قَبْلُ ولا بَعْدُ، دَلَّ عَلى صِغارِها بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي أوْجَدَها لا الطَّبِيعَةُ ولا غَيْرُها، بَلْ إنَّما كانَتْ بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ قَهْرًا لِمَن طَعَنَ في مُلْكِهِ وكَذَّبَ رُسُلَهُ فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ (p-٣٤٤)الَّتِي هي مَوْضِعُ الحِكْمَةِ وإظْهارُ جَمِيعِ العَظَمَةِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا دَلالَةً عَلى ذَلِكَ: ﴿سَخَّرَها﴾ أيْ قَهَرَها عَلى أنْ سَلَّطَها، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ تَسْخِيرُ تَعْذِيبٍ [ لا -] رَحْمَةٍ وتَأْدِيبٍ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وكَلَّفَها ذَلِكَ وذَلَّلَها لَهُ فَلَمْ يُمْكِنْها مَعَ عُتُوِّها إلّا أنْ كانَتْ طَوْعَ أمْرِهِ وصَنِيعَةَ عَظَمَتِهِ وقَهْرِهِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِتَحْقِيقِ الأُمُورِ، وكَشْفِ المُشْكِلِ وإيضاحِ الخَفِيِّ، حَقَّقَ فِيها زَمَنَ عَذابِهِمْ تَحْقِيقًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ، فَذَكَرَ الأيّامَ واللَّيالِي، وقَدَّمَ اللَّيالِي لِأنَّ المَصايِبَ فِيها أفْظَعُ وأقْبَحُ وأشْنَعُ لِقِلَّةِ المُغِيثِ والجَهْلِ بِالمَأْخَذِ والخَفاءِ في المَقاصِدِ والمَنافِذِ، ولِأنَّ عَدَدَها مُذَكَّرٌ في اللَّفْظِ، وتَذْكِيرُ اللَّفْظِ أدَلُّ عَلى قُوَّةِ المَعْنى ولِذَلِكَ جَعَلَ المُمَيَّزَ جَمْعَ كَثْرَةٍ، ولِأنَّها سَبْعٌ، والسَّبْعُ مُبالَغٌ فِيهِ وهو أجْمَعُ العَدَدِ كَما يَأْتِي تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا في حَمَلَةِ العَرْشِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ بِتَقْدِيمِها أنَّ ابْتِداءَ العَذابِ كانَ فِيها لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ الأيّامِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ﴾ أيْ لا تَفْتُرُ فِيها الرِّيحَ لَحْظَةً لِأنَّهُ بُولِغَ في شِدَّتِها مُبالَغَةً لَمْ يَكُنْ مِثْلُها قَطُّ ولا يَكُونُ بَعْدَها أبَدًا ﴿وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ كَذَلِكَ حالُ كَوْنِها ﴿حُسُومًا﴾ جَمْعُ حاسِمٍ أيْ بِحِسٍّ مانِعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ دائِمٍ مُتَتابِعٍ لا فَتْرَةَ لَهُ، مِن حَسْمِ الكَيِّ - إذا تابَعَ فِيهِ بِالمِكْواةِ، (p-٣٤٥)قاطِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، مُسْتَأْصِلٌ لَهُ، فَأتَتْ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ أصْلًا في جَمِيعِ الوَقْتِ فاسْتَأْصَلَتْهم لَمْ تَبْقَ مِنهم أحَدٌ حَتّى أنَّ عَجُوزًا مِنهم تَوارَتْ في سِرْبٍ فانْتَزَعَتْها وأهْلَكَتْها، وبِها سُمِّيَتْ أيّامَ العَجُوزِ، أوْ لِأنَّها عَجَزُ الشِّتاءِ وهي [ ذاتُ -] بِرْدٍ ورِياحٍ شَدِيدَةٍ وهي مِن صَبِيحَةِ الأرْبِعاءَ لِثَمانٍ بَقَيْنَ مِن شَوّالَ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءِ الآخَرِ وهو آخِرُ الشَّهْرِ، وقَدْ لَزِمَ مِن زِيادَةِ عَدَدِ الأيّامِ أنَّ الِابْتِداءَ كانَ [ بِها -] قَطْعًا وإلّا لَمْ تَكُنِ اللَّيالِي سَبْعًا - فَتَأمَّلْ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الحاسِمُ المُهْلِكُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُصَوِّرًا لِحالِهِمُ الماضِيَةِ: ﴿فَتَرى القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ: ﴿فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي لَمْ يَتَأخَّرْ [ أحَدٌ -] مِنهم عَنْها ﴿صَرْعى﴾ أيْ مِجْدَلَيْنِ عَلى الأرْضِ مَوْتى مَعْصُورِينَ مُجْهِزَةً عَلى كُلٍّ مِنهم مَن شِدَّةِ ضَغْطِها بادٍ عَلَيْهِمُ الذُّلُّ والصَّغارُ، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ﴾ أيْ أُصُولُ ﴿نَخْلٍ﴾ قَدْ شاخَتْ وهَرِمَتْ فَهي في غايَةِ العَجْزِ والهَرَمِ ﴿خاوِيَةٍ﴾ أيْ مُتَآكِلَةَ الأجْوافِ ساقِطَةً، مِن (p-٣٤٦)خَوَيِ النَّجْمِ - إذا سَقَطَ لِلْغُرُوبِ، ومَن خَوِيَ المَنزِلِ - إذا [ خَلا -] مِن قَطّانِهِ، قالُوا: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَشْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فالوَصْفُ بِذَلِكَ لِعِظَمِ أجْسامِهِمْ وتَقْطِيعِ الرِّيحِ لَهم وقَطْعُها لِرُؤُوسِهِمْ وخُلُوِّهِمْ مِنَ الحَياةِ وتَسْوِيدِها لَهم.
{"ayah":"سَخَّرَهَا عَلَیۡهِمۡ سَبۡعَ لَیَالࣲ وَثَمَـٰنِیَةَ أَیَّامٍ حُسُومࣰاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِیهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِیَةࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











