الباحث القرآني

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قِسْمانِ: مُحْسِنٌ ومُسِيءٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَنُعْطِي كُلًّا مِنكم صَحِيفَةَ أعْمالِهِ مِن أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعَ خَلائِقِهِ وأحْوالِهِ، فَمِنكم مَن تَدْفَعُ إلَيْهِ في يَمِينِهِ فَتَظْهَرُ لَهُ حَسَناتُهُ وتَسْتُرُ عَنْهُ سَيِّئاتُهُ، ومِنكم مَن يُعْطاها في شَمالِها فَتَبْدُو لَهُ سَيِّئاتُهُ ويَمْحِي ما كانَ مِن حَسَناتِهِ، لِأنَّهُ أُوتِيَ ثَوابَهُ في الدُّنْيا بِما عَجَّلَ لَهُ مِن طَيِّباتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا لَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ دَلالَةَ السَّعادَةِ الوُقُوعُ في اليَمِينِ لا مِن مُعْطٍ مُعَيَّنٍ ﴿كِتابَهُ﴾ أيِ الَّذِي أثْبَتَ فِيهِ أعْمالَهُ ﴿بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ لِما رَأى مِن سَعادَتِهِ تَبَجُّحًا بِحالِهِ وإظْهارًا لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِأنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى أنْ يَظْهَرَ ما آتاهُ مِن خَيْرٍ تَكْمِيلًا لِلَذَّتِهِ بِكَبْتِ أعْدائِهِ وتَفْرِيحِ أوْلِيائِهِ، قِيلَ: إنَّهُ تُكْتَبُ سَيِّئاتُهُ في باطِنِ صَحِيفَتِهِ وحَسَناتِهِ في ظاهِرِها، فَيَقْرَأُ الباطِنَ ويَقْرَأُ النّاسُ الظّاهِرَ، فَإذا أنْهاهُ قِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَها اللَّهُ، اقْلِبِ الصَّحِيفَةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿هاؤُمُ﴾ أيْ خُذُوا أيُّها الحاضِرُونَ مِنَ الخَلائِقِ المَلائِكَةَ وغَيْرَهُمْ، فِيها صَوْتٌ يُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى: (p-٣٦١)خُذُوا، ويُوصَلُ تارَةً بِالكافِ وتارَةً بِالهَمْزَةِ، اسْمُ فِعْلٍ، وإنَّما اخْتارَها هُنا لِيَعْلَمَ أنَّ خِطابَها لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ مَن كانَ مِنهم باطِنًا مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ، ومَن كانَ مِنهم ظاهِرًا لِأنَّ الألِفَ عِنْدَ الرَّبّانِيِّينَ غَيْبٌ وإحاطَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْها مُخْرِجُها، فَهي عِبارَةٌ عِنْدَهم عَنِ القائِمِ الأعْلى المُحِيطِ، ورُوِيَ مَعْنى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والهَمْزَةُ بَدْءُ غَيْبِهِ ولِذا كانَ مُخْرِجُها أقْصى الحُرُوفِ الحَلْقِيَّةِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ، وبَدْءُ غَيْبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أفْعالَهُ وهي تَشْمَلُ الظّاهِرَ والخَفِيَّ أصْلُها الكافُ فَهي عِنْدَهم ظُهُورٌ مُتَكامِلٌ ذُو اسْتِقْلالٍ، وهو مَن يَكُونُ مِن شَأْنِهِ الظُّهُورُ، وأبْناءُ الجِنْسِ أحَقُّ بِهَذا، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ مَخْرَجُ الكافِ الَّذِي بَعْدَ القافِ مِن أصْلِ اللِّسانِ الأقْرَبِ إلى وسَطِهِ، ومَفْعُولُ ”ما“ مَحْذُوفٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ دَلَّ عَلَيْهِ ”كِتابِيَهْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وهاؤُهُ لِلسَّكْتِ، كَأنَّها إشارَةٌ إلى شِدَّةِ الكَرْبِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا كانَ هَذا السَّعِيدُ بِسَكْتٍ في كُلِّ جُمْلَةٍ لِلِاسْتِراحَةِ لا يُقَدَّرُ في الكَلامِ عَلى المُضِيِّ فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِ، وتُشِيرُ أيْضًا مَعَ ذَلِكَ إلى فَراغِ الأمْرِ ونَجازَةِ الجَزْمِ بِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ لا يُغَيَّرُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب