الباحث القرآني

ولَمّا كانَ الرُّسُلُ كُلُّهم جَمِيعًا كالفَرْدِ الواحِدِ لِاتِّفاقِ مَقاصِدِهِمْ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والحَمْلِ عَلى طاعَتِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُسَبِّبًا عَنْ مَجِيئِهِمْ بِذَلِكَ مُوَحِّدًا في اللَّفْظِ ما هو صالِحٌ لِلْكَثِيرِ بِإرادَةِ الجِنْسِ: ﴿فَعَصَوْا﴾ أيْ خالَفُوا ونابَذُوا ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ خالَفَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مَن أرْسَلَهُ المُحْسِنُ إلَيْها بِإبْداعِها مِنَ العَدَمِ وإيداعِها القُوى وتَرْزِيقِها وبَعَثِ رَسُولِها لِإرْشادِها اغْتِرارًا بِإحْسانِهِ ولَمْ يُجَوِّزُوا أنَّ المُحْسِنَ يَقْدِرُ عَلى الضُّرِّ كَما قَدَرَ عَلى النَّفْعِ، لِأنَّهُ الضّارُّ كَما أنَّهُ النّافِعُ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْلُ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ، وسَبَّبَ عَنِ العِصْيانِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيْ رَبُّهم أخْذَ قَهْرٍ وغَضَبٍ ﴿أخْذَةً﴾ لَمْ يَبْقَ مِن أُمَّةٍ مِنهم أحَدًا مِمَّنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ فَلَمْ يَكُنْ كَمَن يَنْصُرُ عَلى عَدْوٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ لا بُدَّ مِن أنْ يُفَوِّتَهُ كَثِيرٌ مِنهم وإنِ اجْتَهَدَ في الطَّلَبِ، وما ذاكَ إلّا لِتَمامِ عِلْمِهِ (p-٣٤٩)سُبْحانَهُ وتَعالى بِالجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، وتِلْكَ الأخْذَةُ - مَعَ كَوْنِها [ بِهَذِهِ -] العَظَمَةِ مِن أنَّها أخَذَتْهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ - جَعَلَها سُبْحانَهُ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ عالِيَةً عَلَيْهِمْ عِلْيَةُ القَدْرِ في قُوَّةِ البَطْشِ وشِدَّةِ الفَتْكِ زائِدَةً عَلى الحَدِّ نامِيَةً بِقَدْرِ زِيادَةِ أعْمالِهِمْ في القُبْحِ، والرِّبا: النُّمُوُّ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، فَأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وأغْرَقَ كُلَّ مَن كَذَّبَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم كُلُّ أهْلِ الأرْضِ غَيْرِ مَن رَكِبَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وحَمَلَ مَدائِنَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ نَتَقَها مِنَ الأرْضِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ بِواسِطَةٍ مِن أمْرِهِ بِذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ قَلَبَها وأتْبَعَها الحِجارَةَ وخَسَفَ بِها وغَمَرَها بِالماءِ المُنْتِنِ الَّذِي لَيْسَ في الأرْضِ ما يُشْبِهُهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب