الباحث القرآني

ولَمّا كانَ الإسْلامُ أشْرَفَ الأدْيانِ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى أقْوى الأخْلاقِ وأشْرَفَها وهو الحَياءُ كَما رُوِيَ أنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وخُلُقُ الإسْلامِ الحَياءُ، ومِنَ الحَياءِ حَياةُ القَلْبِ، فَكانَ ﷺ يَأْخُذُ العَفْوَ (p-٢٩٤)ويَأْمُرُ بِالعُرْفِ ويُعْرِضُ عَنِ الجاهِلِينَ ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ لَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ ويُحْسِنُ مَعَ ذَلِكَ ويَجْذِبُ بِرِدَّتِهِ حَتّى يُؤَثِّرَ في عُنُقِهِ فَيَلْتَفِتَ وهو يَضْحَكُ ويَقْضِي حاجَةَ الجاذِبِ ويُحْسِنُ إلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَمَلَ الكَلامُ التَّدْبِيرِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِالنُّونِ والقَضاءِ الكُلِّيِّ التَّأْثِيرِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بِالقَلَمِ والقَدَرِ المُبْرَمِ التَّفْصِيلِيِّ الواقِعِ عَلى وقْفِ القَضاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِالسَّطْرِ، ومِثالُ ذَلِكَ أنَّ مَن أرادَ بِناءَ دُولابٍ احْتاجَ [ أوَّلًا - ] إلى مُهَنْدِسٍ يُدَبِّرُ لَهُ بِعِلْمِهِ مَوْضِعَ البِئْرِ والمَدارِ ومَوْضِعَ المَحَلَّةِ ومَوْضِعَ السَّهْمِ ومَوْضِعَ الجَداوِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو الحُكْمُ التَّدْبِيرِيُّ، ثانِيًا إلى صانِعٍ يَحْفُرُ البِئْرَ ويَبْنِي ونَجّارٌ يُرَكِّبُ الأخْشابَ عَلى وفْقِ حِكْمَةِ المُهَنْدِسِ، وهو القَضاءُ التَّأْثِيرِيُّ، وثالِثًا إلى إقامَةِ الثَّوْرِ في مَوْضِعِهِ ودَوْرانِ المَحَلَّةِ بِما عَلَيْها مِنَ القَوادِيسِ وجَرْيِ الماءِ في الجَداوِلِ عَلى وفْقِ القَضاءِ وهو القَدَرُ، ويَحْتاجُ رابِعًا وخامِسًا إلى بَيانِ انْقِسامِ المُقَدَّرِ لَهُ إلى شِقِيٍّ وسَعِيدٍ، فالحُكْمُ باطِنٌ وهو سِرٌّ مِن أسْرارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى - سُبْحانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ. (p-٢٩٥)ولَمّا أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى نَفْيِ ما بَهَتُوهُ بِهِ ودَلَّ عَلى ما وهَبَهُ مِن كَمالِ العَقْلِ وتَمامِ الشَّرَفِ والنُّبْلِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا فَثَبَتَ غايَةَ الثَّباتِ بِأخْبارِ العالِمِ الحَكِيمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُشاهَدَةِ عَلى وجْهٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِلْحُكْمِ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ صادِقِ هَذا الإخْبارِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أيْ سَتَعْلَمُ يا أعْلى الخَلْقِ وأشْرَفَهم وأكْمَلَهم عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَلَمًا أنْتَ في تَحَقُّقِهِ كالمُبْصِرِ بِالحُسْنِ الباصِرِ ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ الَّذِينَ رَمَوْكَ بِالبُهْتانِ عِلْمًا هو كَذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب