الباحث القرآني

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ المُعامَلَةِ بِصِفَةِ العِزَّةِ لِما حَصَلَ لَهم مِنَ العِزَّةِ، أتْبَعُهم أضْدادَهُمُ المُطَوِّعِينَ أنْفُسَهم لِإشارَةِ العَقْلِ المُتَأهِّلِينَ لِنَعْتِ المَعْرِفَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِلْأضْدادِ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أيْ يَخافُونَ [ خَوْفًا -] أرَقَّ قُلُوبَهم وأرَقَّ غَيْرَهم بِحَيْثُ كانُوا كالحُبِّ عَلى المَقْلِيِّ لا يُقِرُّ لَهم قَرارٌ مِن تَوَقُّعِهِمُ العُقُوبَةَ، كُلَّما ازْدادُوا طاعَةً ازْدادُوا خَشْيَةً، يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ فَوَقَوْا أنْفُسَهم فَوَرانَ النّارِ بِهِمْ، وعَدَلَ عَنْ سِياقِ الجَلالَةِ الجامِعِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غُلِّبَ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى الإحْسانِ فَقادَهم إلى الشُّكْرِ مَعَ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِالفَرْقِ الَّذِي أدّاهم إلى الذُّعْرِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِتَطْوِيرِهِمْ بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الأسْبابِ في أطْوارِ الخَيْرِ وإذا كانُوا يَخْشَوْنَهُ مَعَ نَظَرِهِمْ إلى صِفَةِ إحْسانِهِ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلى صِفاتِ انْتِقامِهِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ ووَعِيدُهُ غائِبًا عَنْهم وهم غائِبُونَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ وقَدْ مَلَأ الخَوْفُ ما غابَ عَنْهم عَنِ النّاسِ وهي قُلُوبُهم فَهم مَعَ النّاسِ يَتَكَلَّمُونَ وقُلُوبُهم تَتَلَظّى بِنِيرانِ الخَوْفِ وتُكَلَّمُ بِسُيُوفِ الهَيْبَةِ، فَيَتْرُكُونَ المَعْصِيَةَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ مِنَ النّاسِ! ولا يَكُونُ لَهم هَذا إلّا بِرِياضَةٍ عَظِيمَةٍ لِما عِنْدَ (p-٢٤١)النّاسِ مِنَ القُوى المُوجِبَةِ لِلطُّغْيانِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: في الإنْسانِ [ خَواصٌّ -] تَسْتَدْعِي العِلْمَ بِما يَشُوبُها مِنَ الحُظُوظِ فَتَنْشَأُ مِنها - والعِياذُ بِاللَّهِ - المُنازَعَةُ في الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ والجَلالِ والجَمالِ، فالقَلْبُ يَسْتَدْعِي التَّفَرُّدَ بِالوُجُودِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُسْتَبْطِنٌ ما قالَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنْ لا يَجِدُ لَهُ مَجالًا كَما وجَدَ فِرْعَوْنُ، والعَقْلُ يَسْتَدْعِي في تَدْبِيرِهِ وتَأْثِيرِهِ اعْتِقادُ أنَّهُ لَوْ مَكَّنَ مِنَ الوُجُودِ لَدَبَّرَهُ، ويَرى أنَّ تَدْبِيرَهُ هو التَّدْبِيرُ وإنْ كانَ أفْسَدَ الفاسِدُ، وكَذَلِكَ لا يَزالُ يَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، والنَّفْسُ لا تَتَخَيَّلُ أنَّها مِنَ القُوَّةِ والِاقْتِدارِ بِحَيْثُ لَوْ أرادَتْ أنْ تُخَرِّبَ مُدُنًا وتَبْنِيَها فَعَلَتْ، فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ فَإنَّ أعْدى عَدُوُّهُ نَفْسَهُ الَّتِي هي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَمَهْما تَرَكَها انْتَشَرَتْ، قالَ تَعالى ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ويَنْسى ما بَعْدَها ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] ولِهَذا كانَ بَعْضُ الأكاسِرَةِ - وكانُوا أعْقَلَ المُلُوكِ - يُرَتِّبُ واحِدًا يَكُونُ وراءَهُ بِالقُرْبِ مِنهُ، [ يَقُولُ لَهُ -] إذا اجْتَمَعَتْ جُنُودُهُ بَعْدَ كُلِّ قَلِيلٍ: أنْتَ عَبْدٌ، لا يَزالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ، والمَلِكُ يَقُولُ لَهُ كُلَّما قالَهُ: نَعَمْ: فَعَلى العاقِلِ أنْ يُطَوِّعَ نَفْسَهُ لِأنْ تَرْجِعَ مُطَمْئِنَّةً بِأنْ (p-٢٤٢)يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا لِيَدْخُلَ في رِقِّ العُبُودِيَّةِ، وبِالإسْلامِ دِينًا لِيَصِيرَ عَرِيقًا فِيها، فَلا يُنازِعُ المُلْكَ في رِدائِهِ الكِبْرِياءُ وإزارِهِ العَظَمَةُ وتاجِهِ الجَلالُ وحُلَّتِهِ الجَمالُ، ولا يُنازِعُهُ فِيما يُدَبِّرُهُ مِنَ الشَّرائِعِ، ويُظْهِرُهُ مِنَ المَعارِفِ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلى عَبِيدِهِ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. ولَمّا كانَتِ الخَشْيَةُ مُشِيرَةً إلى الذُّنُوبِ، فَكانَ أهَمُّ ما إلَيْهِمُ الإراحَةُ مِنها قالَ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سُتْرَةٌ عَظِيمَةٌ تَأْتِي عَلى جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ. ولَمّا كانَ السُّرُورُ إنَّما يَتِمُّ بِالإعْطاءِ قالَ: ﴿وأجْرٌ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴿كَبِيرٌ﴾ يَكُونُ لَهم بِهِ مِنَ الإكْرامِ ما يُنْسِيهِمْ ما قاسَوْهُ في الدُّنْيا مِن شَدائِدِ الآلامِ، وتَصْغُرُ في جَنْبِهِ لَذائِذُ الدُّنْيا العِظامِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب