الباحث القرآني

ولَمّا كانَ أمْرُ الِاسْتِئْصالِ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالِ أهْلِ الآخِرَةِ في الدَّيْنُونَةِ بِالعَدْلِ والفَضْلِ، وكانَ المُفْتَتَحُ بِهِ السُّورَةَ عِتابُ النِّساءِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالأمْرِ بِالتَّأْدِيبِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ إلى أنْ خَتَمَ بِهَلاكِ المُخالِفِ في الدّارَيْنِ، وكانَ لِلْكُفّارِ قُراباتٌ بِالمُسْلِمِينَ وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّها رُبَّما تَنْفَعُهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ قُراباتٌ بِالكَفّارِ وكانُوا رُبَّما تَوَهَّمُوا أنَّها تَضُرُّهُمْ، قالَ مُجِيبًا لِما يَتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ ﷺ (p-٢٠٨)مِنَ النِّساءِ وغَيْرِهِنَّ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾ [ أيِ -] المَلِكُ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿مَثَلا﴾ يَعْلَمُ بِهِ مِن فِيهِ قابِلِيَّةُ العَلَمِ ويَتَّعِظُ [ بِهِ -] مِن لَهُ أهْلِيَّةُ الِاتِّعاظِ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا الحَقَّ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ سَواءٌ كانُوا مُشاقِقِينَ أوْ مُنافِقِينَ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الوَصْلِ والعَلائِقِ فَيُغْلَظُ عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ مُعامَلَةً بِما يَسْتَحِقُّونَ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ لِأحَدٍ وإنْ جَلَّ مَقامُهُ، وعَلا مَنصِبُهُ ومَرامُهُ، لِأنَّ الكَفْرَ قاطِعٌ لِلْعَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُسْلِمِ: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ مِن كَذِبِهِ بِالغَرَقِ ونَصَرَهُ وآواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ اسْمُها فِيما يُقالُ واعِلَةُ ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ أيْضًا مِن كَذِبِهِ بِالحَصَبِ والخَسْفِ والإغْراقِ، واسْمُها فِيما قِيلَ واهِلَةُ، ودَلَّ عَلى وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتا﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِما كافِرَتَيْنِ. ولَمْ يَقُلْ: تَحْتَهُما، بَلْ أظْهَرَ بِالوَصْفِ العُبُودِيَّةَ المُضافَةَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والوَصْفُ بِالصَّلاحِ لِأنَّ ذَلِكَ أفْخَمُ، فَيَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا لِلْمَوْعُوظِ وأعْظَمَ، ودَفْعًا لِأنْ يُتَوَهَّمَ أحَدٌ بِشَيْءٍ لا يَلِيقُ بِمَقامِهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أيْ (p-٢٠٩)كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما تَحْتَ عَبْدٍ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أثَرَ النّاسِ عِنْدَ المَلِكِ كَما تَقَدَّمَ عَبِيدُهُ، ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ عَبِيدِهِ تَنْبِيهًا عَلى غِناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ولَمّا كانَتْ طَبَقاتُ القُرْبِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ الصَّلاحِ قالَ: ﴿صالِحَيْنِ﴾ وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَخانَتاهُما﴾ بِعَدَمِ المُتابَعَةِ في الدِّينِ نِفاقًا مِنهُما لا بِالخِيانَةِ في الفَرْشِ، فَقَدْ صانَ اللَّهُ جَمِيعَ الأنْبِياءِ مِن ذَلِكَ فَلَمْ تَقُلْ واحِدَةً مِنهُما لِأجْلِ كُفْرِهِما: رَبِّ اجْعَلْنِي مَعَ نَبِيِّكَ في الجَنَّةِ، وآذَنَ بِعَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيمَن أساءَ إلى الحَبِيبِ وبِعَذابِهِ حَتْمًا لِلتَّشَفِّي بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ لَمْ ﴿يُغْنِيا عَنْهُما﴾ أيِ المَرْأتَيْنِ بِحَقِّ الزَّواجِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ لِأجْلِ خِيانَتِهِما بِالمُخالَفَةِ في الدِّينِ، ودَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِالتَّعْبِيرِ بِالمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ لِلْمَرْأتَيْنِ مِمَّنْ أذِنَ لَهُ في القَوْلِ النّافِذِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ: ﴿ادْخُلا النّارَ﴾ أيْ مُقَدِّماتِها مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ثُمَّ الإهْلاكُ بِعَذابِ الِانْتِقامِ في الدُّنْيا وحَقِيقَتِها في الآخِرَةِ لِأنَّ اللَّهَ أبْغَضَهُما لِأنَّهُما عَدْوٌ لِأوْلِيائِهِ، وذَلِكَ كَما قِيلَ: عَدُوُّ صَدِيقِي لَيْسَ لِي بِصَدِيقٍ. (p-٢١٠)ولَمّا فَعَلَتا فِعْلَ الرِّجالِ في اسْتِقْلالِهِما وعَدَمِ عَدِّهِما لِأنْفُسِهِما تَبَعًا، غَلُظَ عَذابِهِما بِالكَوْنِ مَعَ الرِّجالِ في عَذابِهِمْ فَقالَ دالًّا عَلى نُفُوذِ الحُكْمِ فِيمَن هو أقْوى مِنهُما بَعْدَ نُفُوذِهِ فِيهِما: ﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [ أيِ -] الَّذِينَ هم أعْظَمُ مِنهُما مِمَّنْ لَهم وصْلَةٌ بِأهْلِ اللَّهِ ومِمَّنْ لا وصْلَةَ لَهم بِهِمْ، فَلْيَتَأدَّبْ كُلُّ أحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غايَةَ الأدَبِ خَوْفًا مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا خالِعٌ لِقُلُوبِ مَنِ ابْتَدَأ بِتَأْدِيبِهِنَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب