الباحث القرآني

(p-١٧٩)سُورَةُ التَّحْرِيمِ وتُسَمّى سُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى تَقْدِيرِ التَّدْبِيرِ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ ومَعَ رَسُولِهِ (ﷺ ومَعَ سائِرِ العِبادِ والنَّدْبِ إلى التَّخَلُّقِ بِالأدَبِ الشَّرْعِيِّ وحَسُنِ المُباشَرَةِ لا سِيَّما [ لِلنِّساءِ -] اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ (ﷺ في حُسْنِ عِشْرَتِهِ وكِرِيمِ صُحْبَتِهِ وبَيانِ أنَّ الأبَ الشَّرْعِيَّ تارَةً يَكُونُ بِاللِّينِ والأناةِ، وأُخْرى بِالسَّوْطِ وما داناهُ ومَرَّةً بِالسَّيْفِ وما والاهُ، وكُلٌّ مِنَ اسْمَيْها التَّحْرِيمُ والنَّبِيُّ (ﷺ مُوَضِّحٌ لِذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ عَلى الدَّوامِ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ عِبادَهُ بِعَظِيمِ الإنْعامِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي أتَمَّ خَواصَّهُ نِعْمَةِ الإسْلامِ. * * * لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ الطَّلاقَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَنَزَّلَ أمْرَهُ بَيْنَ الخافِقِينَ في تَدْبِيرِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ هَذِهِ بِإعْلاءِ أُمُورِ الخَلْقِ بِأمْرٍ وقَعَ بَيْنَ خَيْرِ خَلْقِهِ وبَيْنَ نِسائِهِ اللّاتِي مِن خَيْرِ النِّساءِ واجْتَهَدَ كُلٌّ في إخْفاءِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ فَأظْهَرُهُ سُبْحانَهُ عِتابًا لِأزْواجِ نَبِيِّهِ ﷺ في صُورَةِ عِقابِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ رِفْقًا بِهِ لِأنَّهُ يَكادُ مِن شَفَقَتِهِ أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ (p-١٨٠)رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ تارَةً لِطَلَبِ رِضاهم وأُخْرى رَغْبَةً في هُداهُمْ، لِأنَّهُ ﷺ بالِغٌ في تَهْذِيبِ أخْلاقِهِ مَعَ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن نَزاهَتِها عَنْ كُلِّ دَنَسٍ حَتّى ضَيَّقَ [ عَلَيْها -] بِالِامْتِناعِ عَنْ بَعْضِ ما أُبِيحَ لَهُ حِفْظًا لِخاطِرِ الغَيْرِ، فَقالَ تَعالى مُنادِيًا لَهُ بِأداةِ البُعْدِ وهو أقْرَبُ أهْلِ الحَضْرَةِ مَعَ أنَّها مُعَدَّةٌ لِما يَكُونُ ذا خَطْبٍ جَلِيلٍ ومَعْنًى جَسِيمٍ جَلِيلٍ، وفِيها إيماءٌ إلى تَنْبِيهِ الغَيْرِ وإسْماعِهِ إرادَةً لِتَأْدِيبِهِ وتَزْكِيَتِهِ وتَهْذِيبِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ مُخاطَبَةً بِالوَصْفِ الَّذِي يَعْلَمُ بِالعِصْمَةِ ويُلائِمُهُ أشَدَّ المُلاءَمَةِ خُلُوُّ البالِ وسُرُورُ القَلْبِ وانْشِراحُ الصَّدْرِ لِأنَّهُ لِلتَّلَقِّي عَنِ اللَّهِ تَعالى فَيُحِثُّ كُلَّ سامِعٍ عَلى البُعْدِ عَنْ كُلِّ ما يُشَوِّشُ عَلَيْهِ ﷺ أدْنى تَشْوِيشٍ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ أيْ تَفْعَلُ [ فِعْلَ المُحَرَّمِ -] بِمَنعِ نَفْسِكَ الشَّرِيفَةِ ﴿ما أحَلَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لَكَ﴾ بِالوَعْدِ لِبَعْضِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِالِامْتِناعِ مِن شُرْبِ العَسَلِ الَّذِي كانَ عِنْدَ حَفْصَةَ أوْ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والِامْتِناعُ مِن مُلامَسَةِ سُرِّيَّتِكَ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَتُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ لِإحْسانِ العِشْرَةِ مَعَ نِسائِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أجْمَعِينَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ أوْ زَيْنَبُ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى اخْتِلافِ (p-١٨١)الرِّوايَتَيْنِ في ذَلِكَ في الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صَلّى الغَداةَ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ امْرَأةً امْرَأةً، وكانَتْ قَدْ أُهْدِيَتْ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَكَّةٌ مِنَ العَسَلِ، فَكانَتْ إذا دَخَلَ [ عَلَيْها فَسَلَّمَ -] حَبَسَتْهُ وسَقَتْهُ مِنها، وأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنْكَرَتِ احْتِباسَهُ عِنْدَها فَقالَتْ لِجُوَيْرِيَةٍ عِنْدَها حَبَشِيَّةٌ يُقالُ لَها خَصْرَةُ: إذا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى حَفْصَةَ فادْخُلِي عَلَيْها فانْظُرِي ماذا يَصْنَعُ فَأخْبَرْتَها الخَبَرَ فَوَصَّتْ صَواحِباتِها فَنَفَّرْنَهُ مَن شُرْبِهِ بِإخْبارِهِ بِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ لِأنَّ نَحْلَةً جَرَسَتِ العُرْفُطَ، فَقالَ: لَنْ أعُودَ لَهُ،» ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُويَةَ «أنَّهُ ﷺ خَلا بِمارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أُمُّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَيْتِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها [ فَتَوَجَّعَتْ مِن ذَلِكَ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -] فَقالَ هي [ عَلَيَّ -] حَرامٌ ولا تَذْكُرِي [ ذَلِكَ -] لِأحَدٍ وأُبَشِّرُكَ عَلى ذَلِكَ بِشارَةً، وهي أنَّ أبا بَكْرٍ يَلِي هَذا الأمْرَ مِن بَعْدِي وأباكَ يَلِيهِ مِن بَعْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا، فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها» ويُرْوى «أنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ في يَوْمِها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّ بِي إلى أبِي حاجَةَ نَفَقَةٍ لَهُ عِنْدَهُ فائْذَنْ [ لِي -] أنْ (p-١٨٢)أزُورَهُ وآتِي بِها، فَأذِنَ لَها فَلَمّا خَرَجَتْ أرْسَلَ إلى جارِيَتَهُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَقَعَ عَلَيْها فَأتَتْ حَفْصَةَ فَوَجَدَتِ البابَ مُغْلَقًا فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووَجْهُهُ يَقْطُرُ عَرَقًا وحَفْصَةُ تَبْكِي فَقالَ لَها: ما يُبْكِيكِ؟ فَقالَتْ: إنَّما أذِنْتُ [ لِي -] مِن أجْلِ هَذا وقَعْتُ عَلَيْها في يَوْمِي وعَلى فِراشِي، أما رَأيْتَ [ لِي -] حُرْمَةً وحَقًّا ما كُنْتَ تَصْنَعُ هَذا بِامْرَأةٍ مِنهُنَّ، فَقالَ ﷺ: ألَيْسَ هي جارِيَتِي قَدْ أحَلَّها اللَّهُ لِي اسْكُتِي فَهي عَلَيَّ حَرامٌ ألْتَمِسُ بِذاكَ رِضاكَ فَلا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَلَمّا خَرَجَ أخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَحَلَّفَتْهُ عَلى تَرْكِ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ“» ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَبْتَغِي﴾ [ أيْ -] تُرِيدُ إرادَةً عَظِيمَةً مِن مَكارِمِ أخْلاقِكَ وحُسْنِ صُحْبَتِكَ ﴿مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ أيِ الأحْوالِ والمَواضِعِ والأُمُورِ الَّتِي يَرْضَيْنَ بِها ومَن أوْلى بِأنْ تَبْتَغِينَ رِضاكَ وكَذا جَمِيعُ الخَلْقِ لِتَفْرَغَ لِما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لَكِنَّ ذَلِكَ لِلزَّوْجاتِ آكَدُ. ولَمّا كانَ أعْلى ما يَقَعُ بِهِ المَنعُ مِنَ الأشْياءِ مِن جِهَةِ العِبادِ الإيمانُ، وكانَ تَعالى قَدْ جَعَلَ مِن رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ لِإيمانِهِمْ كَفّارَةً قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِرِضاهُنَّ والحالُ أنَّ اللَّهَ المَلِكَ الأعْلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-١٨٣)أيْ مَحّاءٌ سَتُورٌ لِما يَشُقُّ عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ مُكْرِمٌ لَهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ أوْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب