الباحث القرآني
ولَمّا كانَتْ أوامِرُ الدِّينِ تارَةً تَكُونُ بِاعْتِبارِ الأمْرِ الدِّينِيِّ مِن سائِرِ الطّاعاتِ المَحْضَةِ، وتارَةً بِاعْتِبارِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو ما كانَ بِواسِطَةِ مالٍ أوْ أهْلٍ أوْ ولَدٍ، أتَمَّ سُبْحانَهُ القَسَمَ الأوَّلَ في الآيَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ، شَرَعَ في الأمْرِ الثّانِي لِأنَّهُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدِّينِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنْهُ أعْظَمَ الفِتَنِ، لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وابْنِهِ وتُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ - كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، وكانَ أعْظَمُ ذَلِكَ في الرِّدَّةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيَ عَنْ إلْهاءِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في الأوْلادِ نَهْيًا عَنْهُ في الأزْواجِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ دُونَ الأزْواجِ، وكانَ المَأْمُورُ بِالتَّوَكُّلِ رُبَّما رَأى أنَّ تَسْلِيمَ قِيادِهِ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، أشارَ إلى [أنَّ] بِناءَ هَذِهِ الدّارِ عَلى الأسْبابِ مانِعٌ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ بِنَحْوِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ ”واحْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ“ الحَدِيثُ، فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ لِمَن يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَيِّنًا لِلْأوامِرِ بِالِاعْتِبارِ لِلِامْتِحانِ التَّكْوِينِيِّ وإنْ كانَ أوْلى النّاسِ بِبَذْلِ الجُهْدِ في تَأْدِيبِهِ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِهِ أقْرَبَ الأقارِبِ وألْصَقَ النّاسِ بِالإنْسانِ (p-١٢٩)وهُوَ كالعِلَّةِ لِآخَرَ ”المُنافِقُونَ“: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الأزْواجُ أقْرَبَ عَداوَةً مِنَ الأوْلادِ قَدَّمَهُنَّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرْنَ غايَةَ المَوَدَّةِ ﴿وأوْلادِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرُوا أيْضًا غايَةَ الشَّفَقَةِ والحَنانِ ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ أيْ لِشُغْلِهِمْ لَكم عَنِ الدِّينِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمْعِ المالِ وتَحْصِيلِ الجاهِ لِأجْلِهِمْ والتَّهاوُنِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ الوَلَدَ مَجْبَنَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ أبُو حَيّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ - كَما هو مَعْرُوفٌ - وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فِيما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لِأجْلِهِمْ وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ.
فالرَّجُلُ مَن رَأى ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ فَجَعَلَهُ مُعِينًا لَهُ عَلى طاعَتِهِ لا قاطِعًا ومُعَوِّقًا عَمّا يُرْضِيهِ بِأنَّ [يَلْتَهِي] بِمَحَبَّتِهِ وعَداوَتِهِ وبِغَضَّتِهِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنِ العَداوَةِ، عَبَّرَ بِما قَدْ يَفْهَمُ الواحِدُ فَقَطْ تَخْفِيفًا، ولَمّا أمَرَ بِالحَذَرِ [جَمَعَ إشارَةً إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والخَوْفِ في كُلِّ أحَدٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ لِأنَّ الحَزْمَ سُوءُ الظَّنِّ كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، فَسَبَّبَ عَنِ الإخْبارِ بِالعَداوَةِ الأمْرَ بِالحَذَرِ] في قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ أيْ بِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ في كُلِّ أمْرِهِمْ فَتَطْلُبُوا في (p-١٣٠)السَّعْيِ عَلَيْهِمُ الكَفافَ مِن حَلِّهِ وتَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلَنَّكم حُبَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهم بِالعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ حَتّى في العَدْلِ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمَكَّنُوا مِن أذاكم فَيَعْظُمُ بِهِمُ الخَطْبُ ويَكُونُ فاتِنًا لَكم في الدِّينِ إمّا بِالرِّدَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ بِالشُّغْلِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ بِالإقْحامِ في المَعْصِيَةِ ومُخالَفَةِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.
ولَمّا كانَ قَدْ يَقَعُ ما يُؤْذِي مَعَ الحَذَرِ لِأنَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ أوْ مَعَ الِاسْتِسْلامِ، وكانَ وكَّلَ المُؤْذِي إلى اللَّهِ أوْلى وأعْظَمَ في الِاسْتِنْصارِ، قالَ مُرْشِدًا إلى ذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا المُجاوَزَةَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى شَيْءٍ لا يَرْجِعُ، وإنَّما النّافِعُ الحَذِرُ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ عَنِ الحُظُوظِ صَعْبًا جِدًّا، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿وتَصْفَحُوا﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ المُقابَلَةِ بِالتَّثْرِيبِ بِاللِّسانِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ [أيْ] بِأنْ تَسْتُرُوا ذُنُوبَهم سِتْرًا تامًّا شامِلًا لِلْعَيْنِ والأثَرِ بِالتَّجاوُزِ بَعْدَ تَرْكِ العِقابِ عَنِ العِتابِ، فَلا يَكُونُ مِنكُمُ اشْتِغالٌ بِعَداوَتِهِمْ ولا ما قَدْ يَجُرُّها عَمّا يَنْفَعُ مِنَ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بالِغُ.
(p-١٣١)المَحْوِ الأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثَرُها جَزاءً لَكم عَلى غُفْرانِكم لَهم وهو جَدِيرٌ بِأنْ يُصْلِحَهم لَكم بِسَبَبِ غُفْرانِكم لَهم فَإنَّهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَزِيدُكم بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ الإكْرامُ بِالإنْعامِ إنْ أكْرَمْتُمُوهُمْ، فَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ سُبْحانَهُ يَزِدْكم مِن فَضْلِهِ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَ ٰجِكُمۡ وَأَوۡلَـٰدِكُمۡ عَدُوࣰّا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُوا۟ وَتَصۡفَحُوا۟ وَتَغۡفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











