الباحث القرآني
(p-٧٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَقْصُودُها كَمالُ التَّحْذِيرِ مِمّا يَثْلِمُ الإيمانَ مِنَ الأعْمالِ الباطِنَةِ، [والتَّرْهِيبُ] مِمّا يَقْدَحُ في الإسْلامِ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، بِمُخالَفَةِ الفِعْلِ لِلْقَوْلِ فَإنَّهُ نِفاقٌ في الجُمْلَةِ فَيُوشِكُ يَجُرُّ إلى كَمالِ النِّفاقِ فَيَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ ويَدْخُلُ الهاوِيَةَ، لِيَكُونَ هَذا التَّحْذِيرُ سَبَبًا في صِدْقِ الأقْوالِ ثُمَّ صِدْقِ الأعْمالِ ثُمَّ صِدْقِ الأخْلاقِ ثُمَّ صِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ قِفِ الأنْفاسَ، فَصِدْقُ القَوْلِ [أنْ] لا يَقُولُ القائِلُ إلّا عَنْ بُرْهانٍ، وصِدْقُ العَمَلِ أنْ لا يَكُونَ لِلْبِدْعَةِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وصِدْقُ الأخْلاقِ أنْ لا يُلاحَظُ ما يَبْدُو مِنهُ مِنَ الإحْسانِ بَعْدَ المُبالَغَةِ فِيهِ بِعَيْنِ النُّقْصانِ، وصِدْقُ الأحْوالِ أنْ يَكُونَ عَلى كَشْفِ وبَيانِ وصِدْقِ الأنْفاسِ أنْ لا يَتَنَفَّسَ إلّا عَنْ وُجُودٍ كالعِيانِ، وتَسْمِيَتِها بِالمُنافِقِينَ واضِحَةٌ في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العُظْمى عِلْمًا وقُدْرَةً فَمَن زاغَ أرادَهُ ”الرَّحْمَنُ“ الَّذِي سَتَرَ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ مَن أرادَ مِن عِبادِهِ وفَضَحَ مَن (p-٧٤)شاءَ وإنْ دَقَّقَ مَكْرَهُ وأخْفاهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي وفَّقَ أهْلَ وِدِّهِ بِإتْمامِ نِعْمَتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ.
* * *
لَمّا نَهى سُبْحانَهُ في المُمْتَحَنَةِ عَنِ اتِّخاذِ عَدُوِّهِ ولِيًّا، وذَمَّ في الصَّفِّ عَلى المُخالَفَةِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وحَذَّرَ آخِرَ الجُمْعَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ مَعَ الوِفاقِ، لِأنَّ صُورَةَ ذَلِكَ كُلَّهُ صُورَةُ النِّفاقِ، قُبَّحَ في أوَّلِ هَذِهِ حالَ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ عَلى حالِ النِّفاقِ، لِأنَّهُ يَكُونُ كاليَهُودِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، واسْتَمَرَّتِ السُّورَةُ كُلُّها في ذَمِّهِمْ بِأقْبَحِ الذَّمِّ لِيَكُونَ زاجِرًا عَنْ كُلِّ ما ظاهِرُهُ نِفاقٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في وصْفِ النِّفاقِ وهو إسْلامُ الظّاهِرِ وكُفْرُ الباطِنِ، وأغْلَبُهم مِنَ اليَهُودِ ﴿قالُوا﴾ مُؤَكِّدِينَ لِأجْلِ اسْتِشْعارِهِمْ لِتَكْذِيبِ مَن يَسْمَعُهم لِما عِنْدَهم مِنَ الِارْتِيابِ: ﴿نَشْهَدُ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو بِمَنزِلَةِ يَمِينٍ كَأنَّهم قالُوا: نُقْسِمُ ﴿إنَّكَ﴾ - التَّأْكِيدُ لِذَلِكَ وإيهامًا لِأنَّ قُوَّةَ تَأْكِيدِهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ في مَضْمُونِ ما يَقُولُونَهُ ﴿لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي [لَهُ] الإحاطَةُ الكامِلَةُ، فَوافَقُوا الحَقَّ بِظاهِرِ أحْوالِهِمْ، وخالَفُوا بِقُلُوبِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
(p-٧٥)ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ الإخْبارَ عَنْ عِلْمِ اليَقِينِ لِأنَّها مِنَ الشُّهُودِ وهو كَمالُ الحُضُورِ وتَمامُ الِاطِّلاعِ ومُواطَأةُ القُلُوبِ لِلْألْسِنَةِ، صَدَّقَ سُبْحانَهُ المَشْهُودَ بِهِ وكَذَّبَهم في الإقْسامِ بِالشَّهادَةِ ومُواطَأةِ ألْسِنَتِهِمْ لِقُلُوبِهِمْ [فَقالَ]: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أيْ وعِلْمُهُ هو العِلْمُ في الحَقِيقَةِ، وأكَّدَهُ سُبْحانَهُ بِحَسَبِ إنْكارِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ سَواءٌ شَهِدَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ أمْ لَمْ يَشْهَدُوا، فالشَّهادَةُ بِذَلِكَ حَقٌّ مِمَّنْ يُطابِقُ لِسانُهُ قَلَبَهُ، وتَوَسَّطَ هَذا بَيْنَ شَهادَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِنَ الرِّسالَةِ كَذِبٌ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ كَلامِهِمْ دُونَ شَهادَتِهِمْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَشْهَدُ﴾ شَهادَةً هي الشَّهادَةُ [لِأنَّها مُحِيطَةٌ] بِدَقائِقِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في وصْفِ النِّفاقِ ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أيْ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لِأنَّ قُلُوبَهم لا تُطابِقُ ألْسِنَتَهم فَهم لا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، ومِن شَرْطِ قَوْلِ الحَقِّ أنْ يَتَّصِلَ ظاهِرُهُ باطِنَهُ وسِرُّهُ بِعَلانِيَتِهِ، ومَتى تُخالِفُ ذَلِكَ فَهو كَذِبٌ، لا المُرادُ أنَّهم كاذِبُونَ في صِحَّةِ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِن أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٧٦)والحاصِلُ أنَّ الشَّهادَةَ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: صِدْقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ والإذْعانُ لَهُ، فَصِدْقُهم في الأوَّلِ وكَذِبُهم في الثّانِي فَصارُوا بِنِفاقِهِمْ أسْفَلَ حالًا وشَرَّ مَآلًا مِنَ اليَهُودِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما أعْقَبَ حالُ المُؤْمِنِينَ فِيما خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الآياتُ الثَّلاثُ إلى صَدْرِ سُورَةِ الجُمْعَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] بِذِكْرِ حالِ مَن [لَمْ] يَنْتَفِعْ بِما حَمَلَ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَ في ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والتَّنْبِيهِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، أتْبَعَ بِما هو أوْقَعُ في الغَرَضِ وأبْلَغُ في المَقْصُودِ، وهو ذِكْرُ طائِفَةٍ بَيْنَ أظْهَرُ مِن قَدَّمَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ ومِن أقْرانِهِمْ وأتْرابِهِمْ وأقارِبِهِمْ، تَلَبَّسَتْ في الظّاهِرِ بِالإيمانِ، وأظْهَرَتِ الِانْقِيادَ والإذْعانَ، وتَعَرَّضَتْ فَأعْرَضَتْ وتَنَصَّلَتْ فِيما وصَلَتْ، بَلْ عاقَتْها الأقْدارُ، فَعَمِيَتِ البَصائِرُ والأبْصارُ، ومِنَ المُطَّرِدِ المَعْلُومِ أنَّ اتِّعاظَ الإنْسانِ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وبِأهْلِ زَمانِهِ أغْلَبُ مِنَ اتِّعاظِهِ بِمَن بَعُدَ عَنْهُ زَمانًا ونَسَبًا، فَأتْبَعَتْ سُورَةُ الجُمْعَةَ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ وعْظًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِحالِ أهْلِ النِّفاقِ، وبَسَطَ مِن قِصَصِهِمْ ما يُلائِمُ ما ذَكَرْناهُ، وكانَ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ مَن أظْهَرَ الِانْقِيادَ والِاسْتِجابَةَ، ثُمَّ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ كانَ فِيما حَمَلَ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِأعْجَبِ مِن حالِ إخْوانِكم زَمانًا وقَرابَةً، وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ (p-٧٧)بِهِمْ وأنَّهم [قَدْ] كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مَوْصُوفِينَ بِجَوْدَةِ الرَّأْيِ وحُسْنِ النَّظَرِ
﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] قُلْتُ: وقَدْ مَرَّ في الخُطْبَةِ ما رَوَيْناهُ في مُصَنَّفِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن قَوْلِ أُناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمْعَةِ بِسُورَةِ الجُمْعَةِ [والمُنافِقِينَ]» فَيُبَشِّرُ بِها المُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُهُمْ، وأمّا سُورَةُ المُنافِقِينَ فَيُوئِسُ بِها المُنافِقِينَ ويُوَبِّخُهُمْ، وهَذا نَحْوُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا - انْتَهى.
{"ayah":"إِذَا جَاۤءَكَ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَكَـٰذِبُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











