الباحث القرآني
ولَمّا أدَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ في المُمْتَحِنَةِ عَمّا يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأتَمَّهُ في الصَّفِّ بِما حَذَّرَ مِن إزاغَةِ القُلُوبِ لِمَن آذى نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ الآدابَ كُلَّها في هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِمُ الَّذِي جَعَلَهُ خاتَمَ الأنْبِياءِ وأشْرَفَ الأصْفِياءِ، ودَلَّ عَلى فَضْلِهِ العَظِيمِ بِتَعْلِيمِ الجاهِلِ، دَلَّ عَلى عِقابِهِ الألِيمِ تَتْمِيمًا لِلدَّلالَةِ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ بِتَجْهِيلِ العالِمِ بِإزاغَةِ قَلْبِهِ وإذْهابِ لُبِّهِ بِيَأْسِهِ مِنَ الآخِرَةِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ بِما يُوجِبُ الإضْلالَ بَعْدَ العِلْمِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا فَضْلُهُ عَلى الجاهِلِ فَكَيْفَ (p-٥٥)فِعْلُهُ بِالعالَمِ؟ فَقالَ تَحْذِيرًا مَن يُزَكِّي فَلا يَتَزَكّى بِأنْ يَقُولَ ما لا يَعْمَلُ، ويَحْمِلُ الكِتابَ فَيَحْمِلُهُ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ مِن أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما فُعِلَ بِاليَهُودِ مِنَ الذُّلِّ في الدُّنْيا والخِزْيِ [والعَذابِ] في الآخِرَةِ بِإزاغَةِ القُلُوبِ وإحاطَةِ الذُّنُوبِ فَيَكُونُ أقْبَحَ مِمّا قِيلَ فِيهِ.
؎مَن فاتَهُ العِلْمُ وأخْطَأ الغِنى ∗∗∗ فَذاكَ والكَلْبُ عَلى حَدٍّ سَوا
﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ ولا سِيَّما الرَّبّانِيُّ يَجِبُ أنْ يَفْرَحَ بِهِ ويَرْغَبَ فِيهِ مِن أيِّ مَوْصِلٍ كانَ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ وصِيانَةٌ لِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أنْ يَذْكُرَ عَنِ العِصْيانِ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ كُلِّفُوا وأُلْزِمُوا حَمْلَ الكِتابِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ عَلَّمَهم إيّاها سُبْحانَهُ وكَلَّفَهم حِفْظَ ألْفاظِها عَنِ التَّغْيِيرِ والنِّسْيانِ ومَعانِيها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّلْبِيسِ وحُدُودِها وأحْكامِها عَنِ الإهْمالِ والتَّضْيِيعِ.
ولَمّا كانَ تَرْكُهم لِحَمْلِها وهي مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنهم هو أعْظَمُ في أنْفُسِهِمْ وأجَلَهِمْ إحْسانًا إلَيْهِمْ في غايَةِ البُعْدِ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الزَّمانِ المُسَهِّلِ لِحِفْظِها المُيَسَّرِ لِتُدَبِّرِها وتُعَرِّفِ مِقْدارِها، عَبَّرَ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ بِأنْ حَفِظُوا ألْفاظَها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها مِنَ الوَصِيَّةِ بِاتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا جاءَهم ثُمَّ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا جاءَ، فَهي ضارَّةٌ لَهم بِشَهادَتِها عَلَيْهِمْ قاذِفَةٌ لَهم في النّارِ (p-٥٦)مِن غَيْرِ نَفْعٍ أصْلًا ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مِثْلُ مَثَلِ ﴿الحِمارِ﴾ الَّذِي هو أبْلَهُ الحَيَوانِ، فَهو مَثَلٌ [فِي] الغَباوَةِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ أيْ كُتُبًا مِنَ العِلْمِ كاشِفَةً لِلْأُمُورِ تَنْفَعُ الألِبّاءَ، جَمْعُ سِفْرٍ، وهو الكِتابُ الكَبِيرُ المُسْفِرُ عَمّا فِيهِ.
ولَمّا كانَ المَثَلُ الجامِعُ لَهُما - وهو وجْهُ الشَّبَهِ - شَخْصًا مُثْقَلًا مُتْعَبًا جِدًّا بِشَيْءٍ لا نَفْعَ لَهُ بِهِ أصْلًا فَهو ضَرَرٌ عَلَيْهِ صَرْفٌ لا يُدْرَكُ ما هو حامِلُهُ غَيْرَ أنَّهُ مُتْعَبٌ ولا يَدْرِي أصَخْرٌ هو أمْ كُتُبٌ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الَّتِي هي لِجامِعِ الذَّمِّ تَرْهِيبًا لِلْآدَمِيِّينَ مِن أنْ يَتَهاوَنُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ القُرْآنِ فَيَكُونُوا أسْوَأ مَثَلًا مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَكُونُوا دُونَ الحِمارِ لِأنَّ رَسُولَهم ﷺ أعْظَمُ وكِتابَهم أعْلى وأفْخَمُ فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى مُحاوَلَةِ ما يُرِيدُونَهُ فَلَمْ يُؤْتُوا مَن عَجْزٍ يُعْذَرُونَ بِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ عَمَدُوا عَلى عِلْمٍ عِنادًا مِنهم وكُفْرًا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ دَلالاتِ المَلِكِ الأعْظَمِ عَلى رُسُلِهِ ولا سِيَّما مُحَمَّدٌ ﷺ وجَمِيعُ ما يُرْضِيهِ مِثْلَهم فَإنَّ مِثْلَهم قَدْ تَكَفَّلَ بِتَعْرِيفِ أنَّهم قَدِ اجْتَمَعُوا مَعَ الحِمارِ في وصْفٍ هو الرُّوحُ الباطِنِيُّ، وهو الضَّرَرُ الصِّرْفُ الَّذِي لا نَفْعَ فِيهِ بِوَجْهٍ بِأنْفَعَ الأشْياءِ، وهو ما دَلَّ عَلى اللَّهِ فَضَمِنَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ نَصًّا (p-٥٧)فِي اليَهُودِ فَهو لِجَمِيعِ قُرّاءِ السُّوءِ مِن كُلِّ مِلَّةٍ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَهم في وجْهِ الشَّبَهِ كَما أنَّ مَثَلَ الكَلْبِ في الأعْرافِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وكَأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأُمَّةَ في ذَلِكَ صَرِيحًا إشارَةً إلى حِفْظِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَها إلى نَفْسِها كَما أنَّهُ آتاها العِلْمَ مَعَ الأُمِّيَّةِ مِنها ومِن رَسُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى كِتابَةٍ ولا تَقَدُّمِ عِلْمٍ ما ولا تَكَلُّفِ لِشَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاسْتَحَقُّوا الوَصْفَ بِجَمِيعِ المَذامِّ لِأنَّهم ظُلِمُوا أشَدَّ الظُّلْمِ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يَهْدِيهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ الأقْوِياءِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الزَّيْغَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الظُّلْمَ بِمُنابَذَةِ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا حَتّى صارَ الظُّلْمُ لَهم صِفَةً راسِخَةً.
{"ayah":"مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











