الباحث القرآني
ولَمّا هَزَّ سُبْحانَهُ إلى الجِهادِ وشَوَّقَ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَتْجَرٌ رابِحٌ، ولَوَّحَ إلى النِّذارَةِ بِالتَّنْشِيطِ بِالبِشارَةِ، فَتَهَيَّأتِ النُّفُوسُ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ وانْبَعَثَتْ أيِ انْبِعاثَ، حَضَّ عَلَيْهِ بِالإيجابِ المُقْتَضِي لِلثَّوابِ أوِ العِقابِ، فَقالَ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ والتَّعْبِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى أدْنى الأسْنانِ تَأْنِيبًا عَلى أنَّهُ لا يُعْدَمُ الوَصْفُ بِالإيمانِ إلّا مُقْرُونٌ بِالحِرْمانِ تَشْوِيقًا وتَحَبُّبًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيْ] أقِرُّوا بِذَلِكَ فَأذْعَنُوا بِهَذا الوَعْظِ غايَةَ الإذْعانِ أنِّي أمَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لَكُمْ: ﴿كُونُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكم ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيْ راسِخِينَ في وصْفِ النُّصْرَةِ وفي الذُّرْوَةِ العُلْيا مِن ثَباتِ الأقْدامِ في تَأْيِيدِ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لِتَكُونُوا - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالإضافَةِ - بِالِاجْتِهادِ في ذَلِكَ كَأنَّكم جَمِيعُ أنْصارِهِ، فَإنَّكم أشْرَفُ مِن قَوْمِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما نَدَبَكم سُبْحانَهُ لِنُصْرَتِهِ إلّا لِتَشْرِيفِكم بِمُصاحَبَةِ رُسُلِهِ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ خَلْقِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ ولامُ الجَرِّ عَلى مَعْنى: كُونُوا بَعْضَ أنْصارِهِ، ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ الثَّباتَ عَلى (p-٤١)الإيمانِ ولَوْ في أدْنى الدَّرَجاتِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ الرُّسُوخُ فِيهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ عَلى صِفَةٍ هي مِنَ الثَّباتِ والسُّرْعَةِ عَلى صِفَةِ الحَوارِيِّينَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما﴾ أيْ كُونُوا لِأجْلِ أنِّي أنا [نَدَبْتُكُمْ] بِقَوْلِي مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَذَذْتُكم بِخِطابِي مِثْلَ ما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارُ اللَّهِ حِينَ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ حِينَ أرْسَلْتُهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ ناسِخًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أيْ خُلَّصِ أصْحابِهِ وخاصَّتِهِ مِنهُمْ: ﴿مَن أنْصارِي﴾ حالَ كَوْنِهِمْ سائِرِينَ في مَنازِلِ السُّلُوكِ والمُعامَلاتِ ومَراحِلِ المُجاهَداتِ والمُنازَلاتِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَنَحْنُ إلَيْهِ راجِعُونَ كَما كُنّا بِهِ مَبْدُوئِينَ.
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى جَوابِهِمْ، أبانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ مُعَلِّمِينَ أنَّهُ جادُّونَ في ذَلِكَ جِدًّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ عامِلِينَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ عَمَلَ الواصِلِ لا السّائِرُ [لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ إجابَتُهُ إجابَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَلَيْسَ كَلامُهُ إلّا عَنِ اللَّهِ]: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ بِأجْمَعِنا ﴿أنْصارَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنّا وقادِرٌ عَلى تَمامِ نَصْرِنا، ولَوْ كانَ عَدُوُّنا كُلَّ أهْلِ الأرْضِ نَنْصُرُهُ الآنَ بِالفِعْلِ، لا نَحْتاجُ إلى تَدْرِيبٍ يَسِيرٍ ولا نَظَرَ [إلى] غَيْرِ اسْتِحْضارِنا لِجَمِيعِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآدَمِيُّ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ وكَمالِهِ، ولِذَلِكَ أظْهَرُوا ولَمْ يُضْمِرُوا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ دَعَوْا مَن خالَفَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وبارَزُوهُمْ، (p-٤٢)سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَتْ﴾ أيْ بِهِ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ ناسٌ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ قَوْمِهِ ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ مِنهُمْ، وأصْلُ الطّائِفَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ ﴿فَأيَّدْنا﴾ أيْ قَوَيَّنا بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ المُخْلِصِ مِنهم وغَيْرِهِ في القَوْلِ والفِعْلِ وشَدَدْنا قُلُوبَهم ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ الَّذِينَ عادُوهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ. ولَمّا كانَ الظَّفْرُ بِالمَحْبُوبِ [أحَبَّ ما يَكُونُ] إذا كانَ أوَّلَ النَّهارِ، تَسَبَّبَ عَنْ تَأْيِيدِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ صارُوا بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ ﴿ظاهِرِينَ﴾ أيْ عالِينَ غالِبِينَ قاهِرِينَ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخافُونَ أحَدًا إلّا اللَّهَ ولا يَسْتَخِفُّونَ مِنهُ، فالتَّأْيِيدُ تارَةً يَكُونُ [بِالعِلْمِ وتارَةً] بِالفِعْلِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] فَصارَ عِلْمُهُ في غايَةِ الإحْكامِ وتَبِعَتْهُ قُوَّةٌ هي في مُنْتَهى التَّمامِ، لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ عِلْمٍ مُسْتَفادٍ مِن قُوَّةٍ، وإلّا لَقالَ: عِلْمُهُ كَثِيرُ العِلْمِ.
﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] قُوَّةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمٍ، والظّاهِرُ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وغَيْرِها أنَّ تَأْيِيدَ المُؤْمِنِينَ [بِهِ] كانَ بَعْدَ رَفْعِهِ بِيَسِيرٍ حِينَ ظَهَرَ (p-٤٣)الحَوارِيُّونَ وانْبَثُّوا في البِلادِ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ بِما آتاهم مِنَ الآياتِ، فاتَّبَعَهُمُ النّاسُ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ وماتَ الحَوارِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ افْتَرَقَ النّاسُ ودَبَّ إلَيْهِمُ الفَسادُ، فَغَلَبَ أهْلُ الباطِلِ وضَعُفَ أهْلُ الحَقِّ حَتّى كانُوا عِنْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمًا أوْ في حُكْمِ العَدَمِ، - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ كَما تَرى بِما وقَعَ مِنَ التَّنَزُّهِ عَمّا يُوهِمُهُ عُلُوُّ الكَفَرَةِ مِنَ النَّقْصِ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَسْرِ أعْدائِهِ، ومِنَ الأمْرِ مِمّا أخْبَرَ أوَّلَها أنَّهُ يُحِبُّهُ مِنَ القِتالِ في سَبِيلِهِ حَثًّا عَلَيْهِ وتَشْوِيقًا إلَيْهِ - عَلى أوَّلِها، واتَّصَلَ بِما بَشَّرَ بِهِ مَن آمَنَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الإيمانِ مِنَ العِزِّ مُوصِلِها بِمَفْصِلِها، بِما أُزِيلَ مِنَ الأسْبابِ الحامِلَةِ لَهُ عَلى المُداراةِ، والأُمُورُ الَّتِي أوْقَعَتْهُ في المُماشاةِ مَعَ الكُفّارِ والمُجاراةِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ رُسُوخُ الإيمانِ، وحُصُولُ الإتْقانِ، المُقْتَضِي لِلتَّنْزِيهِ بِالفِعْلِ عَنْ كُلِّ شَوْبِ نُقْصانٍ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوۤا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ لِلۡحَوَارِیِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِیۤ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّاۤىِٕفَةࣱ مِّنۢ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَكَفَرَت طَّاۤىِٕفَةࣱۖ فَأَیَّدۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ ظَـٰهِرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











