الباحث القرآني

ولَمّا كانَتْ الأُمُورُ السَّماوِيَّةُ مُشاهَدَةً لِجَمِيعِ الخَلْقِ: دانِيهِمْ وقاصِيهِمْ، وهي أشْرَفُ مِنَ الأرْضِيَّةِ، فَإذا بَطَلَتْ صَلاحِيَتُها لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَتْ الأرْضِيَّةُ مِن بابِ الأوْلى؛ نَصَبَ لَهم الحِجاجَ في أمْرِها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الإراءَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ أيْ: سَتَرَ وأظْلَمَ، وقَصَرَهُ - وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا - دِلالَةً عَلى شِدَّةِ ظَلامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ: وقَعَ السِّتْرُ عَلَيْهِ، فَحَجَبَ مَلَكُوتِ الأرْضِ فَشَرَعَ يَنْظُرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أيْ: قَدْ بَزَغَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا (p-١٥٩)فَعَلَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ فَكَأنَّهُ مِن بَصَرِهِ أنْ أتى بِهَذا الكَلامِ الصّالِحِ لِأنْ يَكُونُ خَبَرًا واسْتِفْهامًا، لِيُوهِمَهم أنَّهُ مُخْبَرٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أنْفى لِلْغَرَضِ وأنْجى مِنَ الشُّعَبِ، فَيَكُونُ أشَدَّ اسْتِجْلابًا لَهم إلى إنْعامِ النَّظَرِ وتَنْبِيهًا عَلى مَوْضِعِ الغَلَطِ وقَبُولِ الحُجَّةِ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ: غابَ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهُورِ الَّذِي كانَ آيَةَ سُلْطانٍ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لِأنَّ الأُفُولَ حَرَكَةٌ، والحَرَكَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ المُتَحَرِّكِ وإمْكانِهِ، ولا نَظُنُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ أوَّلًا عَنْ اعْتِقادِ رُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ دَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّوَهُّمِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ أراهُ مَلَكُوتَ الخافِقَيْنِ وجَعَلَهُ مُوقِنًا، فَأسْنَدَ الأمْرَ إلى نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم، واسْتَدَلَّ بِالأُفُولِ لِأنَّ دِلالَتَهُ لِزَوالِ سُلْطانِهِ وحَقارَةِ شَأْنِهِ أتَمُّ، ولَمْ يَسْتَدِلَّ بِالطُّلُوعِ لِأنَّهُ - وإنْ كانَ حَرَكَةً دالَّةً عَلى الحُدُوثِ والنُّقْصانِ - شَرَفٌ في الجُمْلَةِ وسُلْطانٌ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ واجِبِ الوُجُودِ، يَكُونُ مُنْتَهى الآمالِ ومَحَطَّ الرِّحالِ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] والأوْساطُ يَفْهَمُونَ مِنهُ الحُدُوثَ لِلْحَرَكَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى قَدِيمٍ، (p-١٦٠)والعَوامُّ يَفْهَمُونَ أنَّ الغارِبَ كالمَعْزُولِ لِزَوالِ نُورِهِ وسُلْطانِهِ، وأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وخَصَّ الأُفُولَ أيْضًا لِأنَّ قَوْمَهُ الفُرْسَ كانُوا مُنَجِّمِينَ، ومَذْهَبَهم أنَّ الكَوْكَبَ إذا كانَ صاعِدًا مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ، فَإذا كانَ نازِلًا إلى المَغْرِبِ كانَ ضَعِيفَ الأثَرِ، والإلَهُ هو مَن لا يَتَغَيَّرُ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بُرْهانٌ في أنَّ أصْلَ الدِّينِ مَبْنِيٌّ عَلى الحُجَّةِ دُونَ التَّقْلِيدِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب