الباحث القرآني

ولَمّا سَلّاهُ بِوَعْدِهِ النُّصْرَةَ المُسَبَّبَةَ عَنْ عِلْمِ المُرْسِلِ القادِرِ، وبِأنَّ (p-٩٨)تَكْذِيبَهم إنَّما هو لَهُ - سُبْحانَهُ - وهو مَعَ ذَلِكَ يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ ويَحْلُمُ عَنْهم، بَلْ ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والمَنافِعِ - زادَهُ أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ في إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ ولَمّا كانَ المَنكِيُّ هو التَّكْذِيبَ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمانَ، [وكانَ الِاشْتِراكُ في شَيْءٍ يُهَوِّنُهُ، وكُلَّما قَرُبَ الزَّمانُ كانَ أجْدَرَ بِذَلِكَ] أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ بِأنْ جَحَدَ قَوْمُهم ما يَعْرِفُونَ مِن صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ كَما فُعِلَ بِكَ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أيْ: فَتَسَـبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم أنَّهم صَبَرُوا ﴿عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ أيْ: فَصَبَرُوا أيْضًا عَلى ما أُوذُوا، ثُمَّ أشارَ إلى الوَعْدِ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ فَقالَ: ﴿حَتّى﴾ أيْ: وامْتَدَّ صَبْرُهم حَتّى ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾ أيْ: فَلْيَكُنْ لَكَ بِهِمْ أُسْوَةٌ، وفِيهِمْ مَسْلاةٌ، فاصْبِرْ حَتّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ كَما أتاهم، فَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهم المَنصُورُونَ في قَوْلِنا: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ العَظَمَةِ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى صُعُوبَةِ مَقامِ الصَّبْرِ جِدًّا بِالتَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ﴾ ودَلَّ عَلى عَظِيمِ ما تَحَمَّلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: خَبَرِهِمْ العَظِيمِ في صَبْرِهِمْ واحْتِمالِهِمْ وطاعَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ ورِفْقِهِمْ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ ونَصْرِنا لَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ، ومَجِيءُ نَبَئِهِمْ تَقَدَّمَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، أمّا إجْمالًا فَفي مِثْلِ قَوْلِهِ (p-٩٩)﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] وأمّا تَفْصِيلًا فَفي ذِكْرِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما؛ وفي قَوْلِهِ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ تابِعِهِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ الصَّبْرِ، والتَّعْبِيرُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ تَهْوِيلٌ لِما لَقُوا، فَهو أبْلَغُ في التَّعْزِيَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب