الباحث القرآني

ولَمّا أخْبَرَ بِما نالَهم في الدُّنْيا ويَنالُهم في الآخِرَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ [العَظِيمُ] الَّذِي فَعَلَهُ بِهِمْ مِنَ الجَلاءِ ومُقَدِّماتِهِ (p-٤١٤)[فِي الدُّنْيا] ويَفْعَلُهُ بِهِمْ في الآخِرَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ ولَمّا كانُوا قَدْ ضَمُّوا فى هَذِهِ القَضِيَّةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ كُفْرًا باطِنًا بِما أرادُوا مِن إلْقاءِ الرَّحى وغَيْرِهِ مِنَ الأذى مَكْرًا مِنهُمْ، أدْغَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ، فَكانُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ بِأنْ صارُوا في شِقِّ الأعْداءِ المُحارِبِينَ بَعْدَ ما كانُوا في شِقِّ المُوادَعِينَ. ولَمّا جارى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إخْفاءَهم لِما أرادُوا [أنْ] يَفْعَلُوا بِهِ بِالإخْفاءِ لِخَلاصِهِ مِنهم بِأنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وتَرَكَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَهم قالَ: ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي إجْلالُهُ مِن إجْلالِهِ. ولَمّا أخْبَرَ بِفِعْلِهِ وبِسَبَبِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وإفادَةً لِأنَّهُ يَفْعَلُ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كانَ عَلى أمْرِهِمْ أعْظَمَ مِن فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ أيْ يُوقِعْ في الباطِنِ مُشاقَقَةَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ في الحالِ أوِ الماضِي أوِ الِاسْتِقْبالِ سَواءٌ أبْطَنَ مَعَها مُشاقَقَةً أُخْرى أوْ لا، وتَرَكَ الإدْغامَ عَلى حالِهِ لِأنَّهم ما أظْهَرُوا مُعاداةً وإنَّما كانَ ما فَعَلُوا مَكْرًا ومُساتَرَةً، وذَلِكَ أخَفُّ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأظْهَرَ في الأنْفالِ (p-٤١٥)لِقُوَّةِ [أمْرِ] المُجاهِرِينَ كَما مَضى، ولَمْ يُعِدْ ذِكْرَ الرَّسُولِ تَفْخِيمًا لَهُ بِإفْهامِ أنَّ مُشاقَقَتَهُ مُشاقَقَةٌ لِلَّهِ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ أصْلًا، وإشارَةً إلى أنَّهم بالَغُوا في إخْفاءِ مُشاقَقَتِهِمْ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ لَمْ يَمْكُرْ بِهِمْ، وإنَّما جاهَرَهم حِينَ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَكْرِهِمْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْفالِ، فَإنَّ المَقامَ اقْتَضى هُناكَ الذِّكْرَ لِأنَّهم مَكَرُوا بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةَ وهو ﷺ أخْفى أمْرَ هِجْرَتِهِ وأعْمَلَ الحِيلَةَ في الخَلاصِ مِن مَكْرِهِمْ عَلى حَسَبِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَحَصَلَتِ المُفاعَلَةُ في تَحَيُّزِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ خُفْيَةً ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ يُشَدِّدُ عِقابَهُ لَهُ لِأنَّهُ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وذَلِكَ كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ هَذا حَيْثُ نَقَضُوا عَهْدَهم وأظْهَرُوا المُشاقَقَةَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ وكَما فَعَلَ أهْلُ خَيْبَرَ، وكانُوا يُماكِرُونَ ويُساتِرُونَ في الأُولى عِنْدَ فَتْحِها وفي الثّانِيَةِ عِنْدَ إجْلائِهِمْ مِنها، فَقَدْ سَوّى بَيْنَ المُساتِرِينَ والمُجاهِرِينَ في العَذابِ وهو لِلْمُجاهِرِينَ أشَدُّ عَذابًا كَما هو واضِحٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب