الباحث القرآني

ولَمّا شَبَّهَ سُبْحانَهُ أمْرَهم في طاعَتِهِمْ لِابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ وهُمُ البُعَداءُ المُحْتَرِقُونَ بِسَبَبِ إبْعادِ المُؤْمِنِينَ لَهم بِإبْعادِ اللَّهِ واحْتِراقِ أكْبادِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِأمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ، شَبَّهَ قِصَّةَ الكُلِّ بِقِصَّةِ (p-٤٥٥)الشَّيْطانِ [و]مَن أطاعَهُ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِمَعْنى ما حَطَّ عَلَيْهِ آخِرُ الكَلامِ: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مَثَلُ الكُلِّ الواعِدِينَ بِالنَّصْرِ والمُغْتَرِّينَ بِوَعْدِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ في الذِّكْرِ ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] في إخْلافِهِمُ الوَعْدَ وإسْلامِهِمْ إيّاهم عِنْدَ ما حَقَّ الأمْرُ يُشْبِهُ مَثَلَ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيِ البَعِيدِ مِن كُلِّ خَيْرٍ لِبُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ المُحْتَرِقِ بِعَذابِهِ، والشَّيْطانُ هُنا مِثْلُ المُنافِقِينَ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ﴾ أيْ كُلِّ مَن فِيهِ نَوْسٌ واضْطِرابٌ وهو هُنا مِثْلُ اليَهُودِ: ﴿اكْفُرْ﴾ أيْ بِاللَّهِ بِما [زَيَّنَ] لَهُ ووَسْوَسَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الشَّهَواتِ القائِمِ مَقامَ الأمْرِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ بِما يُساعِدُ تَزْيِينَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ مِن شَهَواتِهِ وحُظُوظِهِ وأخْلاقِهِ يُطِيعُ أمْرَهُ غالِبًا قالَ: ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ أوْجَدَ الكُفْرَ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، ودَلَّتِ الفاءُ عَلى إسْراعِهِ في مُتابَعَةِ تَزْيِينِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ الَّذِي هو هُنا عِبارَةٌ عَنِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا لِما لِمَن تَعَلَّقَ بِمَن أكَّدَ لَهُ الوَعْدَ بِشَيْءٍ مِن صادِقِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ بِأنَّهُ يَخْذُلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ عَلاقَةٌ في شَيْءٍ أصْلًا ظَنًّا مِنهُ أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تَنْفَعُهُ شَيْئًا مِمّا اسْتَوْجَبَهُ المَأْمُورُ بِقَبُولِهِ لِأمْرِهِ، وذَلِكَ (p-٤٥٦)كِنايَةٌ [عَنْ] أنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ والتَّمادِي في كُلِّ ما يَدُلُّ عَلى إهْمالِهِ فِعْلَ مَن أكَّدَ البَراءَةَ مِنهُ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ المُنافِقُونَ بِاليَهُودِ: جَرَّأُوهم عَلى أمْرٍ يُنْهى وهو الإقامَةُ في بَلَدِهِمْ، فَلَمّا نَصَبُوا الحَرْبَ طَمَعًا في نَصْرِهِمْ فَعَلَ المُنافِقُونَ بِتَباطُؤِهِمْ عَنْهم فِعْلَ المُتَبَرِّئِ مِنهم فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِمّا لَمْ يُطْمِعُوهم في نَصْرِهِمْ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ انْهِزامِهِمْ عَنْهم مِنَ الصَّفِّ المُوجِبِ لِانْهِزامِهِمْ لا مَحالَةَ، ثُمَّ عَلَّلَ البَراءَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَلا تُطاقُ صَوْلَتُهُ، ثُمَّ شَرَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ ورَبّاهم بِما يَدُلُّ [عَلى] جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى، فَلا يُغْنِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ و[هُوَ] لا يَغْفِرُ أصْلًا لِمَن يَقْدَحُ في رُبُوبِيَّتِهِ ولا سِيَّما إنْ نَسَبَها إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَذا كَمَثَلِ ما يَجِدُ الإنْسانُ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ مِنَ النَّدَمِ والحَيْرَةِ، فَإذا وجَدَ ذَلِكَ وهَمَّ بِالتَّوْبَةِ زَيَّنَ لَهُ المَعْصِيَةَ وصَعَّبَ عَلَيْهِ أمْرَ التَّوْبَةِ وعَسَّرَهُ وجَرَّأهُ عَلى المَعْصِيَةِ بِعَيْنِها أوْ عَلى ما هو أكْبَرُ مِنها، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فَيَتَحَقَّقُ هَلاكُهُ وهَلاكُ مَن أوْقَعَهُ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب