الباحث القرآني
ولَمّا هَجَّنَ سُبْحانَهُ الظِّهارَ، وأثْبَتَ تَحْرِيمَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وكانَ ما مَضَتْ عَلَيْهِ العَوائِدُ لا بُدَّ أنْ يَبْقى مِنهُ بَقايا، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ حُكْمِ هَذِهِ الواقِعَةِ وما لَعَلَّهُ يَقَعُ مِن نَظائِرِها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ الحُكْمِ، أسْقَطَ التَّقْيِيدَ إعْلامًا بِعُمُومِهِ الكافِرَ كَعُمُومِهِ المُسْلِمَ لِيُفِيدَ تَغْلِيظَ العِقابِ [عَلَيْهِ] لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ يَخُصُّ العَرَبَ الَّذِينَ قَصَدَ تَهْجِينَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ سائِرِ النّاسِ فَقالَ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ بِدُونِ ”مِنكم“ .
ولَمّا كانَ مُقْتَضى اللَّفْظِ المُباعَدَةَ مِمَّنْ قِيلَ ذَلِكَ فِيها، فَكانَ إمْساكُها بَعْدَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في غايَةِ البُعْدِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ [بِأداةِ] (p-٣٤٩)البُعْدِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا القَوْلِ ﴿لِما قالُوا﴾ بِالفِعْلِ بِأنْ يُعادَ هَذا القَوْلُ مَرَّةً أُخْرى أوْ بِالقُوَّةِ بِأنْ يُمْسِكُوا المَقُولَ ذَلِكَ لَها زَمَنًا يُمْكِنُ أنْ يُعادَ فِيهِ هَذا القَوْلُ مَرَّةً ثانِيَةً مِن غَيْرِ مُفارَقَةٍ بِلَفْظٍ مِمّا ناطَ اللَّهُ الفُرْقَةَ بِهِ مِن طَلاقٍ [أوْ] سَراحٍ أوْ نَحْوِهِما، فَيَكُونُ المُظاهِرُ عائِدًا إلى هَذا القَوْلِ بِالقُوَّةِ لِإمْكانِ [هَذا] القَوْلِ في ذَلِكَ الزَّمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن قالَ قَوْلًا [ولَمْ يَبُتَّهُ] ويُنْجِزْهُ ويُمْضِهِ بِأنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرى وهَلُمَّ جَرّا، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ لِنَقْضِ ما قالُوا: فَيُحِلُّوا ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ البَتِّ بِالطَّلاقِ، فَإنْ كانَ الظِّهارُ مُعَلَّقًا لَمْ يُلْزَمْ حُكْمَهُ إلّا بِالحِنْثِ، فَإنْ طَلَّقَ في الحالِ وإلّا لَزِمَتْهُ [الكَفّارَةُ]، وحَقُّ العِبارَةِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ لِدَلالَتِها عَلى الِاتِّصالِ كَما يَقْتَضِيهِ الحالُ بِخِلافِ ”إلى“ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى مُهْلَةٍ وتَراخٍ، هَذا في الظِّهارِ المُطْلَقِ، وأمّا المُوَقَّتُ بِيَوْمٍ أوْ شَهْرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عائِدًا فِيهِ إلّا بِالوَطْئِ في الوَقْتِ المُظاهَرِ فِيهِ، وأمّا مُجَرَّدُ إمْساكِها فَلَيْسَ بِعَوْدٍ لِأنَّهُ إنَّما أمْسَكَها لِما [لَهُ] فِيها مِنَ الحِلِّ بَعْدَ وقْتِ الظِّهارِ.
ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ المَوْصُولُ مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، أدْخَلَ الفاءَ في خَبَرِهِ لِيُفِيدَ السَّبَبِيَّةَ فَيَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ (p-٣٥٠)أيْ فَعَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الظِّهارِ والعَوْدِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ أيْ سَلِيمَةٍ عَنْ عَيْبٍ يُخِلُّ بِالعَمَلِ كامِلَةِ الرِّقِّ مُقَيَّدَةٍ [أيْضًا] بِمُؤْمِنَةٍ لِأنَّها قُيِّدَتْ [بِذَلِكَ] في كَفّارَةِ القَتْلِ، فَيُحْمَلُ هَذا عَلى ذاكَ، ولِأنَّ «مُعاوِيَةَ بْنَ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ أفَأعْتِقُها، فَسَألَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ فَأخْبَرَتْهُ بِما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِها فَقالَ: مَن أنا؟ فَقالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ-» رَواهُ مالِكُ ومُسْلِمٌ، فَعَلَّلَ الإجْزاءَ بِالإيمانِ ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ سَبَبِ الوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ واجِبٍ وواجِبٍ، والمُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ [الظِّهارُ] والعَوْدُ جَمِيعًا كَما أنَّ المُوجِبَ في اليَمِينِ [اليَمِينُ] والحِنْثُ مَعًا.
ولَمّا كانَ التَّحْرِيرُ لا يَسْتَغْرِقُ زَمَنَ القَبْلِ بَلْ يَكُونُ في بَعْضِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَسَّ بَعْدَ المُظاهَرَةِ لا مُطْلَقًا قالَ: ﴿أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ مِنهُما مَسٌّ وهو الجِماعُ سَواءٌ كانَ ابْتِداءُ المُباشَرَةِ مِنهُ أوْ مِنها بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ التَّفاعُلِ، وهو حَرامٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّماسِّ وأخْفاها بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ ولَوْ كانَ بِإيلاجِ الحَشَفَةِ فَقَطْ مَعَ الإنْزالِ أوْ بِدُونِهِ، وأمّا (p-٣٥١)مُقَدِّماتُ الجِماعِ فَهي فِيها كالحائِضِ لا تَحْرُمُ عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ جامَعَ عَصى ولَمْ تَجِبْ كَفّارَةٌ أُخْرى، لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، قالَ: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ» .
ولَمّا كانَ الوَعْظُ هو الزَّجْرَ عَنِ الفِعْلِ المَوْعُوظِ لِأجْلِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الزَّجْرُ العَظِيمُ جِدًّا الَّذِي هو عامٌّ لَكم مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ يَكُونُ بِمَشَقَّةٍ زاجِرًا لَكم عَنِ العَوْدِ إلى مُقارَبَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ مُقارَفَتِهِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ مِن أجْلِها اللَّهُ تَحْرِيمًا مُتَأبِّدًا عَلى زَعْمِهِ [كانَ] كَأنَّهُ قَدْ قَتَلَها، ولِكَوْنِ [ذَلِكَ] بِلَفْظٍ اخْتَرَعَهُ وانْتَهَكَ فِيهِ حُرْمَةَ أُمِّهِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ عَصى مَعْصِيَةً أوْبَقَ بِها نَفْسَهُ كُلَّها إيباقًا أخْرَجَهُ إلى [أنْ] يَقْتُلَها عُضْوًا عُضْوًا بِإعْتاقِ [رَقَبَةٍ] تُماثِلُ رَقَبَتَهُ ورَقَبَةَ مَن كانَ قَتَلَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِما يَرْدَعُكم بَصِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إشارَةً إلى إرادَةِ المُبالَغَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِإلْزامِ الِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ فِعْلَهُ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَهو عالِمٌ بِما يُكَفِّرُهُ، فافْعَلُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [والظِّهارُ -] وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في (p-٣٥٢)الحَقِيقَةِ أصْلٌ ولا بِتَصْحِيحِهِ نُطْقٌ ولا لَهُ شَرْعٌ، بَعْدَ ما رُفِعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرُهُ ولَوَّحَ بِشَيْءٍ ما وقالَ: إنَّهُ حُكْمُهُ لَمْ يُخْلِ اللَّهُ مِن بَيانٍ ساقَ إلَيْهِ شَرْعَهُ فَقَضى فِيهِ بِما انْتَظَمَ فِيهِ الجَوابُ ارْتِفاعَ شَكْواها.
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ ذَ ٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











