الباحث القرآني
ولَمّا بَيَّنَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الدّالَّ عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، بَيَّنَ ثَمَرَةَ أعْمالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا﴾ أيْ أعْلَمْناكم بِأنَّ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، لِأنَّ الحُزْنَ لا يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يا مُعاذُ لِيَقِلَّ هَمُّكَ ما قُدِّرَ يَكُنْ» لِأجْلِ أنْ لا ﴿تَأْسَوْا﴾ أيْ تَحْزَنُوا حُزْنًا كَبِيرًا زائِدًا ﴿عَلى﴾ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ، يُوصِلُ إلى المَبْلَغِ بِتَعاطِي أسْبابِهِ والتَّمادِي فِيها لِيَتَأثَّرَ عَنْها (p-٢٩٦)السُّخْطُ وعَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، فَرُبَّما جَرَّ ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ ﴿ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ المَحْبُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ أيْ تُسَرُّوا سُرُورًا يُوصِلُ إلى البَطَرِ بِالتَّمادِي مَعَ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ ﴿بِما آتاكُمْ﴾ أيْ جاءَكم مِنها عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالقَصْرِ، وأعْطاكُمُ [اللَّهُ] عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالمَدِّ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا بُدَّ في إيجادِها وإبْقائِها مِن حافِظٍ، ثُمَّ إنَّها لَوْ خُلِّيَتْ ونَفْسَها فاتَتْ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في تَقْدِيرِهِ هَذا وكَتْبِهِ مِنَ السِّرِّ أنَّ مَن وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى فَقْدِ ما لَدَيْهِ مِن أعْيانٍ ومَعانٍ قَبْلَ أنْ تَأْمُرَهُ بِالعَدَمِ والوِجْدانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ ذَلِكَ عَنِ المُسابَقَةِ المَذْكُورَةِ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ التَّمادِي مَعَ الحُزْنِ حَتّى يَخْرُجَ عَنِ الصَّبْرِ ومَعَ الفَرَحِ حَتّى يُلْهِيَ عَنِ الشُّكْرِ، لا أصْلُ المَعْنى لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ما لَكَ تَأْسَفُ عَلى مَفْقُودٍ ولا يَرُدُّهُ إلَيْكَ الفَوْتُ، وما لَكَ تَفْرَحُ بِوُجُودٍ ولا يَتْرُكُهُ في يَدِكَ المَوْتُ - انْتَهى، ولَقَدْ عَزّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةً لَهم في مَصائِبِهِمْ وزَهَّدَهم في رَغائِبِهِمْ بِأنَّ أسَفَهم عَلى فَوْتِ المَطْلُوبِ لا يُعِيدُهُ، وفَرَحَهم بِحُصُولِ المَحْبُوبِ لا يُفِيدُهُمْ، ولِأنَّ ذَلِكَ لا مَطْمَعَ في بَقائِهِ إلّا بِادِّخارِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ في المُصِيبَةِ: قَدَّرَ [اللَّهُ] وما شاءَ اللَّهُ فَعَلَ ويَصِيرَ في النِّعْمَةِ هَكَذا قَضى، وما أدْرِي ما مِثْلُهُ
﴿هَذا مِن فَضْلِ (p-٢٩٧)رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فَلا يَزالُ [خائِفًا] عِنْدَ النِّقْمَةِ راجِيًا أثَرَ النِّعْمَةِ، قائِلًا في الحالَيْنِ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأكْمَلُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَسْرُورًا بِذِكْرِ رَبِّهِ لَهُ في كِلْتَيِ الحالَتَيْنِ كَما قالَ [القائِلُ]:
؎سَقْيًا لِمَعْهَدِكَ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ ما كانَ قَلْبِي لِلصَّبابَةِ مَعْهَدا
وهَذِهِ صِفَةُ المُتَحَرِّرِينَ مِن رِقِّ النَّفْسِ، وقِيمَةُ الرِّجالِ إنَّما تُعْرَفُ بِالوارِداتِ المُغَيِّرَةِ، فَمَن لَمْ تُغَيِّرْهُ المَضارُّ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِالمَسارِّ فَهو سَيِّدُ وقْتِهِ، أشارَ إلَيْهِ القُشَيْرِيُّ. ولَمّا كانَ الإمْعانُ في اسْتِجْلابِ الأسى إنَّما هو مِنَ اليَأْسِ ونِسْيانِ النِّعَمِ وزِيادَةُ الفَرَحِ المُوصِلِ إلى المَرَحِ إنَّما يَجُرُّهُ الكِبْرُ والمَرَحُ، وكانَ في أوْصافِ أهْلِ الدُّنْيا التَّفاخُرُ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ سابِقًا التَّمادِي مَعَ الجِبِلَّةِ في الحُزْنِ والفَرَحِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلّ يئوس كَفُور“ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ بِأنْ يُكْرِمَ ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ مُتَكَبِّرٍ نَظَرَ إلى ما في يَدِهِ في الدُّنْيا ﴿فَخُورٍ﴾ قالَ القُشَيْرِيُّ: الِاخْتِيالُ مِن بَقايا النَّفْسِ ورُؤْيَتِها، والفَخْرُ [مِن] رُؤْيَةِ خَطَرِ ما بِهِ يَفْتَخِرُ.
{"ayah":"لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











