الباحث القرآني
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا خَيالٌ ومِحالٌ لِيَصْرِفَ الكَمَلَةَ مِنَ العِبادِ عَنْها لِسُفُولِها وحَقارَتِها، وأنَّ الآخِرَةَ بَقاءٌ وكَمالٌ لِيَرْغَبُوا غايَةَ الرَّغْبَةِ فِيها ولِيَشْتاقُوا كُلَّ الِاشْتِياقِ لِكَمالِها وشَرَفِها وجَلالِها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سابِقُوا﴾ أيِ افْعَلُوا في السَّعْيِ لَها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ حَقَّ السَّعْيِ فِعْلَ (p-٢٩٢)مَن يُسابِقُ شَخْصًا فَهو يَسْعى ويَجْتَهِدُ غايَةَ الِاجْتِهادِ في سَبْقِهِ، ولَكِنْ رُبَّما كانَ قَرِينُهُ بَطِيئًا فَسارَ هُوَيْنًا، وأمّا المُسارَعَةُ فَلا تَكُونُ إلّا بِجُهْدِ النَّفْسِ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ السُّرْعَةِ في العُرْفِ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ الآمِرَةُ بِالمُسارَعَةِ الأخَصِّ مِنَ المُسابَقَةِ أبْلَغُ لِأنَّها لِلْحَثِّ عَلى التَّجَرُّدِ عَنِ النَّفْسِ والمالِ وجَمِيعِ الحُظُوظِ أصْلًا ورَأْسًا، ولِذَلِكَ كانَتْ جَنَّتُها لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ، وأمّا هَذِهِ فَفي سِياقِ التَّصْدِيقِ الَّذِي هو تَجَرُّدٌ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ ولِذَلِكَ كانَتْ [جَنَّتُهُ] لِلَّذِينَ آمَنُوا.
ولَمّا كانَ المَقامُ عَظِيمًا، والإنْسانُ - وإنْ بِذَلِكَ الجُهْدِ - ضَعِيفًا، لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ سَواءٌ كانَ سابِقًا أوْ لاحِقًا مِنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في السّابِقِينَ؛ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ سَتْرٍ لِذُنُوبِكم عَيْنًا وأثَرًا ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم بِأنْ رَبّاكم وطَوَّرَكم بَعْدَ الإيجادِ بِأنْواعِ الأسْبابِ بِأنْ تَفْعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ واجْتِنابِ زَواجِرِهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَغْفِرَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن نَتِيجَتِها قالَ: ﴿وجَنَّةٍ﴾ أيْ وبُسْتانٍ هو مِن عِظَمِ أشْجارِها واطِّرادِ أنْهارِها بِحَيْثُ يَسْتُرُ داخِلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِالسَّعَةِ قالَ: ﴿عَرْضُها﴾ أيْ فَما ظَنُّكَ بِطُولِها. ولَمّا كانَ السِّياقُ كَما بَيَّنَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ فَقَطْ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهِ دُونَ ما في آلِ عِمْرانَ فَأفْرَدَهُ وصَرَّحَ بِالعَرْضِ فَقالَ: ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ تَحْتَمِلُ الطُّولَ وجَمِيعُ السَّماواتِ والأرْضُ عَلى هَيْئَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٢٩٣)يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُقَدَّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ويُوصَلَ [رَأْسُ] كُلِّ قِدَةٍ بِرَأْسِ الأُخْرى، وتَمْتَدَّ جَمِيعُ القِداتِ إلى نِهايَتِها عَلى مِثْلِ الشِّراكِ، وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُها عَرْضٌ واحِدٌ وأرْضٌ واحِدَةٌ ﴿أُعِدَّتْ﴾ أيْ هُيِّئَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها وفُرِغَ مِن أمْرِها بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ وهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إيقاعًا لا رَيْبَ مَعَهُ ولَوْ أنَّهُ عَلى أدْنى الوُجُوهِ فَكانُوا مِنَ السّابِقِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأنَّ الإيمانَ كافٍ في اسْتِحْقاقِها، وأحادِيثُ الشَّفاعَةِ مُؤَيِّدَةٌ لِذَلِكَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ لِأجْلِ ذاتِهِ مُخْلِصِينَ لَهُ بِالإيمانِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، فَهَذِهِ الجَنَّةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في آلِ عِمْرانَ، وإنْ قِيلَ: إنَّ السَّماءَ هُنا لِلْجِنْسِ لِكَوْنِ السِّياقِ فِيهِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ كانَتْ أبْلَغَتْهُ تِلْكَ بِالتَّصْرِيحِ بِالجَمْعِ وعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالعَرْضِ لِكَوْنِها في سِياقٍ صَرَّحَ فِيهِ بِالجِهادِ، وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِإعْظامٍ لِلْمُجاهِدِينَ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في أمْرِ النَّفْسِ وصُعُوبَةِ الخُرُوجِ عَنْها وعَنْ جَمِيعِ المَأْلُوفاتِ.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ والجَنَّةِ عَظِيمًا لا سِيَّما لِمَن آمَنَ ولَوْ كانَ إيمانُهُ عَلى أعْلى الدَّرَجاتِ ومَعَ التَّجَرُّدِ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلى مَن يُوجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ (p-٢٩٤)فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا خاصٌّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي أقَلُّ عَمَلًا وأكْثَرُ أجْرًا، فَإذا حَسَدَهم أهْلُ الكِتابِ قالَ تَعالى: [هَلْ] ظَلَمْتُكم مِن أمْرِكم شَيْئًا، فَإذا قالُوا: لا، لِأنَّ المَصْرُوفَ مِنَ الأجْرِ لِجَمِيعِ الطَّوائِفِ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ، قالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ.
﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ المُخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيِ الَّذِي جَلَّ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهِ العُقُولُ.
{"ayah":"سَابِقُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَ ٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











