الباحث القرآني

ولَمّا كانَتِ النّارُ سَبَبًا لِعُنْصُرِ ما فِيهِ الماءُ فَيَتَحَلَّبُ فَيَتَقاطَرُ كَما كانَ الماءُ سَبَبًا لِتَشْقِيقِ الأرْضِ بِالزَّرْعِ، ولَمْ يَكُنْ لِمَخْلُوقٍ قُدْرَةٌ عَلى التَّوَصُّلِ بِنَوْعِ سَبَبٍ، أتْبَعَهُ بِها كَما أتْبَعَ الزَّرْعَ بِالماءِ لِذَلِكَ ولِبَيانِ القُدْرَةِ عَلى ما لا سَبَبَ فِيهِ لِمَخْلُوقٍ في السُّفْلِ كَما كانَ إنْزالُ الماءِ عَرِيًّا عَنْ سُنَّتِهِمْ في العُلُوِّ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَّلَهم لِلتَّأمُّلِ في مَصْنُوعاتِهِ والتَّبَصُّرِ في عَجائِبِ آياتِهِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالأبْصارِ والبَصائِرِ ما تَقَدَّمَ فَرَأيْتُمُ ﴿النّارَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ نارًا مَخْصُوصَةً تُوقِفُهم عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وتَكْشِفُ لَهم ذَلِكَ كَشْفًا بَيِّنًا بِإيجادِ الأشْياءِ مِن أضْدادِها فَقالَ: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَسْتَخْرِجُونَ مِنَ الزَّنْدِ فَتُوقِدُونَ بِهِ سَواءٌ كانَ الزَّنْدُ يابِسًا أوْ أخْضَرَ بَعْدَ أنْ كانَتْ خَفِيَّةً فِيهِ لا يَظُنُّ مَن لَمْ يُجَرِّبْ ذَلِكَ أنَّ فِيهِ نارًا أصْلًا، فَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ التَّوْرِيَةِ الَّتِي يُظْهَرُ فِيها شَيْءٌ ويُرادُ غَيْرُهُ، ثُمَّ صارَ بَعْدَ ذَلِكَ الخَفاءِ إلى ظُهُورٍ عَظِيمٍ وسُلْطَةٍ مُتَزايِدَةٍ وعَظَمَةٍ ظاهِرَةٍ تُحْرِقُ كُلَّ ما لابَسَها حَتّى ما خَرَجَتْ مِنهُ، والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِأمْرِ الزَّنْدِ، وذَلِكَ أنَّهم يَقْطَعُونَ (p-٢٢٩)غُصْنًا مِن شَجَرِ المَرْخِ وآخَرَ مِنَ العَفارِ، ويَحُكُّونَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ فَتَتَقَدَّحُ مِنها النّارُ عَلى أنَّ النّارَ في كُلِّ شَجَرٍ، وإنَّما خُصَّ المَرْخُ والعَفارُ لِسُهُولَةِ القَدْحِ مِنهُما، وقَدْ قالُوا: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب