الباحث القرآني

ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّجْمِ والشَّجَرِ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُؤَثِّرُ فِيهِ، وكانَتِ السَّماءُ والأرْضُ ثابِتَتَيْنِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ رُبَّما أشْكَلَ أمْرُهُما كَما ضَلَّ فِيهِما خَلْقٌ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ أهْلِ الجُمُودِ والِاغْتِرارِ والوُقُوفِ مَعَ الشّاهِدِ وغَيْرِهِمْ، وكانَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى المُؤَثِّرُ فِيهِما، فَلِذَلِكَ قالَ مُسْنِدًا التَّأْثِيرَ فِيهِما إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أعْرى ما قَبْلَهُما مِن مِثْلِهِ لِما أغْنى عَنْهُ مِنَ الدَّلالَةِ بِالتَّغَيُّرِ والسَّيْرِ والتَّنَقُّلِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وهو الَّذِي دَبَّرَ ذَلِكَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ أيْ: حِسًّا بَعْدَ أنْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَها مِنها وأعْلاها عَنْها بِما يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنَ العَقْلِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ في أنَّ كُلَّ جِسْمٍ ثَقِيلٍ ما رَفَعَهُ عَمّا تَحْتَهُ إلّا رافِعٌ، ولا رافِعَ لِهَذِهِ إلّا اللَّهَ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى التَّأْثِيرِ غَيْرُهُ، ولِعِظَمِها قَدَّمَها عَلى الفِعْلِ تَنْبِيهًا عَلى التَّفَكُّرِ فِيما فِيها مِن جَلالَةِ الصَّنائِعِ وأنْواعِ البَدائِعِ، ومَعْنًى بِأنَّهُ جَعَلَها مَنشَأ أحْكامِهِ ومَصْدَرَ قَضاياهُ ومُتَنَزَّلَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَهْبِطُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ. ولَمّا كانَتِ السَّماءُ مَعَ عُلُوِّها الدّالِّ عَلى عِزَّةِ مُوجِدِها ومُدَبِّرِها (p-١٤٨)دالَّةً عَلى عَدْلِهِ بِاعْتِدالِ جَمِيعِ أحْوالِها مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَطَرِ والثَّلْجِ [والنَّدى] والطَّلِّ وغَيْرِ ذَلِكَ في أنَّ كُلَّ فَصْلٍ مِنها مُعادِلٌ لِضِدِّهِ وأنَّها لا يُنْزِلُها سُبْحانَهُ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وإلّا لَفَسَدَتِ الأرْضُ [كُلُّها]، ودَلَّنا عَلى أنَّهُ شَرَّعَ لَنا مِثْلَ ذَلِكَ العَدْلِ لِتَقُومَ أحْوالُنا وتَصْلُحَ أقْوالُنا وأفْعالُنا بِما قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ فَقالَ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ أيِ العَدْلَ الَّذِي بَدَرَ بِهِ الخافِقَيْنِ مِنَ المُوازَنَةِ وهي المُعادَلَةُ لِتَنْتَظِمَ أُمُورُنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب