الباحث القرآني

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ النِّعْمَةَ في تَعْلِيمِ القُرْآنِ الَّذِي هو حَياةُ الأرْواحِ، وبَيَّنَ الطَّرِيقَ فِيها، دَلَّ عَلى البَيانِ بِذِكْرِ البَيِّناتِ الَّتِي يَجْمَعُها أمْرٌ ويُفَرِّقُها آخَرُ، ولَها مَدْخَلٌ في حَياةِ الأشْباحِ، وعَدَّدَها عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ بَيانًا لِأنَّها مِن أكْبَرِ النِّعَمِ فَقالَ في جَوابِ مَن قالَ: ما بَيانُهُ؟ بادِئًا بِالكَوْكَبِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أعْظَمُ نُورًا وأكْبَرُ جِرْمًا وأعَمُّ نَفْعًا لِيَكُونَ خُضُوعُهُ (p-١٤٥)لِقَبُولِ الآثارِ أدَلَّ عَلى خُضُوعِ غَيْرِهِ بَيانًا لِحِكْمَتِهِ في تَدْبِيرِهِ وقُوَّتِهِ في تَقْدِيرِهِ: ﴿الشَّمْسُ﴾ وهي آيَةُ النَّهارِ ﴿والقَمَرُ﴾ وهو آيَةُ اللَّيْلِ اللَّذانِ كانَ بِهِما البَيانُ الإبْراهِيمِيُّ، ولَعَلَّهُ بَدَأ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِغايَةِ بَيانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَشْرِيفًا لَها بِالإشارَةِ إلى عُلُوِّ أفْهامِها ﴿بِحُسْبانٍ﴾ أيْ جَرْيُهُما، يَجْرِي كُلٌّ مِنهُما - مَعَ اشْتِراكِهِما في أنَّهُما كَوْكَبانِ سَماوِيّانِ - بِحِسابٍ عَظِيمٍ جِدًّا لا تَكادُ تُوصَفُ جَلالَتُهُ في دِقَّتِهِ وكَثْرَةِ سَعَتِهِ وعِظَمِ ما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ومِن عِظَمِ هَذا الحِسابِ الَّذِي أفادَتْهُ صِيغَةُ الفُعْلانِ أنَّهُ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَتَعَدّاهُ، تُعْلَمُ بِهِ الأعْوامُ والشُّهُورُ والأيّامُ والسّاعاتُ والدَّقائِقُ والفُصُولُ في مَنازِلَ مَعْلُومَةٍ، ويُعْرَفُ مَوْضِعُ كُلٍّ مِنهُما في الآفاقِ العُلْوِيَّةِ وما يَحْدُثُ لَهُ وما يَتَأثَّرُ عَنْهُ في الكَوائِنِ السُّفْلِيَّةِ بِحَيْثُ أنَّ بِهِ انْتِظامَ غالِبِ الأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خَلَقَهُما اللَّهُ عَلَيْها ولَها، وبَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ المَسافاتِ ما لا يَعْلَمُهُ عَلى التَّحْرِيرِ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهَذا عَلى تَطاوُلِ الأيّامِ والدُّهُورِ لا يَخْتَلُّ ذَرَّةً دَلالَةً عَلى أنَّ صانِعَهُ قَيُّومٌ لا يَغْفُلُ، ثُمَّ بَعْدُ هَذا الحِسابُ المُسْتَجَدُّ والحِسابُ الأعْظَمُ الَّذِي قَدَّرَ لِتَكْوِيرِ الشَّمْسِ وانْكِدارِ القَمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ مَعَ ما أفادَ ذَلِكَ مِن تَعاقُبِ المَلَوَيْنِ تارَةً بِالِاعْتِدالِ وتارَةً بِالزِّيادَةِ وأُخْرى بِالنَّقْصِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ في لَطائِفِ المَقْدُورِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب