الباحث القرآني

ولَمّا كانَ هَذا التَّفْصِيلُ مِمّا أُنْزِلَ أوَّلَ القُرْآنِ تَيْسِيرًا عَلى الأُمَّةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ (p-١٠٨)﴿القُرْآنَ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ الجَمْعِ والفَرْقِ والعَظَمَةِ المُناسِبَةِ لِكَوْنِهِ صِفَةً لَنا ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيِ الِاتِّعاظِ والتَّذَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والفَهْمِ والحِفْظِ والتَّشْرِيفِ لِمَن يُراعِيهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: أنْزَلْناهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ وأنْزَلْناهُ لِلْأفْهامِ تَنْزِيلًا وخاطَبْناهم بِعَوائِدِهِمْ وأعْلَمْنا مِن قَبْلِ أعْمالِهِمْ وأقْبَسْناهُمُ المَعْرِفَةَ واليَقِينَ مِن قَبْلِ ذَواتِهِمْ وضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأطَلْنا لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ لِيَتَذَكَّرُوا المِيثاقَ المَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَسَّرَ قِراءَتَهُ عَلى ألْسِنَةِ قَوْمٍ، وعِلْمَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وفَهْمَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وحِفْظَهُ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ، وكُلُّهم أهْلُ القُرْآنِ وكُلُّهم أهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ - انْتَهى. والآيَةُ ناظِرَةٌ بِالعَطْفِ والمَعْنى إلى ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ [القمر: ٤] الآيَتَيْنِ، فالمَعْنى: أنّا ولَوْ شِئْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لَجِئْناهم بِعِباراتٍ لا يَشُمُّونَ رائِحَتَها، وبَلاغاتٍ لا يَهْتَدُونَ إلى وجْهِ مَعْناها أصْلًا لَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ خاطَبْناهم بِأبْلَغَ مِن بَلاغَتِهِمْ مَعَ تَيْسِيرِ فَهْمِ ما خاطَبْناهم بِهِ فَكانَ [فِي] ذَلِكَ إعْجازانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَوْقَ بَلاغَتِهِمْ، والثّانِي: أنَّهُ مَعَ عُلُوِّهِ يَشْتَرِكُ في أصْلِ فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ. ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ الجامِعُ تَرْجَمَةً لِأفْعالِهِ سُبْحانَهُ في هَذا الوُجُودِ الشّاهِدِ والغائِبِ الَّذِي أخْبَرَنا عَنْهُ وشَرْحًا لِما أنْزَلَ عَلَيْنا مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا الَّتِي تَعَرَّفَ لَنا بِها، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ خَلْقَ الآدَمِيِّ جامِعًا، فَما مِن شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إلّا وفي نَفْسِهِ مِنهُ أثَرٌ ظاهِرٌ ناظِرٌ لِلتَّفَكُّرِ في القُرْآنِ والتَّعَرُّفِ لِلْأسْرارِ مِنهُ بِالتَّذْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ. . . لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْرِفُهُ ثُمَّ نَسِيَهُ حَتّى صارَ لا يَسْتَقِلُّ بِاسْتِحْضارِهِ فَإذا ذُكِّرَ بِهِ ذَكَرَهُ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظِيمِ فِعْلِ العِلْمِ والقُرْآنِ الَّذِي هو طَرِيقُهُ بِالتَّكْرارِ (p-١٠٩)والتَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ الذِّكْرِ عَلى أنَّهُ المَحْفُوظُ لِلْإنْسانِ بِما هَيَّأ لَهُ مِن تَيْسِيرِ أمْرِهِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ: قالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وذُكِرَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مِنها مُنْفَكَّةً عَنْ تَيْسِيرِ القُرْآنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في أوَّلِ القِصَصِ وهي قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَرَّةً كَما يَأْتِي في آخِرِها، وذَلِكَ عَقِبَ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وهو قَوْلُهُ: ”فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذَرَ“ مِثْلَ ذَلِكَ، وكُرِّرَتْ ”فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ“ في الرَّحْمَنِ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، فَنَظَرْتُ في سِرِّ ذَلِكَ فَظَهَرَ لِي - واللَّهُ الهادِي - أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُفَصَّلِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعُ سُوَرٍ هَذِهِ السُّورَةُ خاتِمَتُها فَأُشِيرَ إلى التَّذَكُّرِ بِكُلِّ سُورَةٍ مِنها حَثًّا عَلى تَدَبُّرِها بِآيَةٍ خُتِمَتْ كَلِماتُها بِكَلِمَةٍ عادَتْ حُرُوفُها [فِي] السُّوَرِ الخَمْسِ، وأُدْغِمَ حَرْفٌ مِنها في آخَرٍ بَعْدَ قَلْبِ كُلٍّ مِنهُما، فَكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي مَدْلُولُها الذِّكْرُ مُشِيرَةً إلى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي مَبادِئُ العِلْمِ، وكانَ ما في أوَّلِ هَذِهِ المَواعِظِ وآخِرِها لِخُلُوِّهِ عَنْ ذِكْرِ القُرْآنِ مُوازِيًا لِلْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ طَرَفُهُما لِلْوَهْنِ بِالتَّعْبِيرِ والقَلْبِ لَكِنْ لَمّا كانَ الحَرْفانِ بِالإدْغامِ كَحَرْفٍ واحِدٍ، كانَتِ الجُمْلَتانِ المُوازِيَتانِ لَهُما كَآيَةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأرْبَعِ، وكانَ هَذا الأوَّلُ والآخِرُ مُشارًا بِهِ إلى هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي جَمَعَتِ التَّذْكِيرَ بِالسُّوَرِ الأرْبَعِ، وأُعْرِيَتْ عَنْ ذِكْرِ تَيْسِيرِ القُرْآنِ لِافْتِتاحِ السُّوَرِ بِمَحْوٍ وما يَقْرُبُ مِنَ المَحْوِ وهو آيَةُ اللَّيْلِ والتَّيْسِيرُ فِيها والسّاعَةُ الَّتِي هي أغْيَبُ الغَيْبِ، وكُلُّ مَن فِيها سِوى اللَّهِ مَحْوٌ لِسَلْبِ الأمْرِ كُلِّهِ عَنْهم وخُصَّتْ بِها الأُولى والآخِرَةُ (p-١١٠)لِجامِعٍ بَيْنَهُما مِن غَرَقِ العَصا في الماءِ ونَجاةِ المُطِيعِينَ بَعْضُهم بِالسَّفِينَةِ وبَعْضُهم بِنَفْسِ البَحْرِ الَّذِي هو مَسْرَحُ السُّفُنِ، وكانَتِ المَوْعِظَةُ المَذْكُورُ فِيها القُرْآنُ في خِتامِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُمُومِها لِجَمِيعِ القُرْآنِ إشارَةً إلى خُصُوصِ التَّذْكِيرِ بِسُورَةِ ق لِما بَيْنَهُما مِن جامِعِ الإحاطَةِ بِإحاطَةِ جَبَلِ ق بِالأرْضِ كُلِّها وطُوفانِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُمُومِ جَمِيعِ الأرْضِ والَّتِي في سُورَةِ عادٍ إشارَةٌ إلى سُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّ كِلَيْهِما كانَ بِالرِّيحِ، والَّتِي في قِصَّةِ ثَمُودَ إشارَةٌ إلى التَّذْكِيرِ بِالطُّورِ بِجامِعِ ما بَيْنَهُما مِنَ الرَّجِّ والرَّجْفِ والذُّلِّ والصَّعْقِ، أمّا في قِصَّةِ ثَمُودَ فَظاهِرٌ، وأمّا في الطُّورِ فَلِما كانَ مِن دَكِّهِ وصَعْقِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ الصَّعْقُ في آخِرِ الطُّورِ، وما في قِصَّةِ لُوطٍ إشارَةٌ إلى النَّجْمِ لِأنَّ مَدائِنَهُمُ ارْتَفَعَتْ إلى عَنانِ السَّماءِ ثُمَّ أُهْوِيَتْ وأُتْبِعَتِ الحِجارَةَ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ هَكَذا، وكانَتِ النِّعَمُ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ مِن جِهاتِهِ السِّتِّ، فَضُرِبَتِ الحَواسُّ الخَمْسُ في الجِهاتِ السِّتِّ، فَكانَتْ ثَلاثِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مُذَكِّرٌ بِهَذا القُرْآنِ، ولا سِيَّما ما تَقَدَّمَ [عَلى] هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ في المُفَصَّلِ ما لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ في نَفْسِهِ وفي الآفاقِ المُشارِ إلى القِسْمِ الأوَّلِ مِنها بِمُذَكِّرٍ، وإلى الثّانِي بِتَكْرِيرِ ذِكْرِ الآلاءِ فَكُلُّ آيَةٍ تَكْرِيرٌ انْتَهى إلى العَدَدِ المَخْصُوصِ وإلى المَجْمُوعِ بِالمَجْمُوعِ لِيَعْلَمَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِ عَلى وجْهٍ لا يَقْدِرُ عَلى صُنْعِهِ إلّا اللَّهُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أعْظَمُها - مِن حَيْثُ كَوْنُهُ أساسًا يُبْنى عَلَيْهِ - الوَحْدانِيَّةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ الشَّرِكَةِ فَيَخْشى مِن مَعْصِيَتِهِ أنْ يَسْلُبَهُ نِعَمَهُ أوْ واحِدَةً مِنها فَلا يَجِدُ مَن يَقُومُ بِها ولا بِشَيْءٍ مِنها (p-١١١)غَيْرَهُ أوْ يُعَذِّبُهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَمِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ مِن إحاطَةِ القُدْرَةِ والعِلْمِ فَلا يَجِدُ مَن يَرُدُّ عَنْهُ شَيْئًا مِنهُ سُبْحانَهُ، وأمّا الواحِدُ الزّائِدُ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ المَدارَ في ذَلِكَ الإدْراكِ هو العَقْلُ والحَواسُّ كَما أنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ كُلِّهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ أسْبابٌ لِمَعْرِفَتِهِ وأيْضًا فالواحِدُ إشارَةٌ إلى أنَّ زِيادَةَ الآلاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْقَطِعُ كَما أنَّ الواحِدَ الَّذِي هو أصْلُ العَدَدِ لا يَزالُ، فَكُلَّما أغْنَتْ زِيادَتُها [ابْتَدَأ] دَوْرٌ ثُمَّ ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ دائِمًا أبَدًا، ولِلتَّكْرِيرِ نُكْتَةٌ أُخْرى بَدِيعَةٌ جِدًّا، وهي تَأْكِيدُ التَّقْرِيرِ دَلالَةً عَلى اشْتِدادِ الغَضَبِ المُقْتَضِي لِأنْهى العُقُوبَةِ كَما أنَّ مَنِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ مِن إنْكارِ شَخْصٍ لِشَيْءٍ مِن قَتْلِهِ إذا بَيَّنَهُ غايَةَ البَيانِ بِأُمُورٍ مُتَنَوِّعَةٍ وهو يَتَمَرَّدُ ويَلُدُّ غايَةَ اللَّدَدِ يَأْخُذُهُ فَيَجْمَعُ لَهُ جَمْعًا لا يَقْدِرُ عَلى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ بِحَضْرَتِهِمْ، وهو يُذْعِنُ وهو في قَبْضَتِهِ فَيَذْكُرُ تِلْكَ المَعانِيَ بَيْنَ ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَصِيرُ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ نَوْعًا مِنها بِحَضْرَتِهِمْ، قالَ لَهُ: هَلْ ظَهَرَ لَكَ هَذا؟ فَيَقُولُ ذاكَ المُنْكِرُ: نَعَمْ ظَهَرَ لِي، فَلا يَزِيدُ ذَلِكَ إلّا غَضَبًا لِما تَقَدَّمَ لَهُ مِن عَظِيمِ غَضَبِهِ [و]لَدَدِهِ فَيَذْكُرُ لَهُ مَعْنًى آخَرَ ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ ظَهَرَ لَكَ هَذا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ واللَّهُ لا يُعَرِّجُ عَلى اعْتِرافِهِ ذَلِكَ ويَذْكُرُ لَهُ نَوْعًا آخَرَ، ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُ الزِّيادَةَ في تَبْكِيتِهِ وتَخْجِيلِهِ، وهَكَذا إلى أنْ يَشْتَفِيَ كُلَّ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى لَدَدِهِ وكِفايَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها لِما أُرِيدَ مِنهُ مِنَ البَيانِ، وقالَ في الكَشّافِ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلَيْهِ والبَعْثَ عَلى ذَلِكَ (p-١١٢)كُلِّهِ وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العِصِيَّ مَرّاتٍ ويُقَعْقِعَ لَهُمُ السِّنَّ تاراتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوَدُ ويَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الغَفْلَةِ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيراتِ لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في أوانٍ - انْتَهى، ولِمِثْلِ ما مَضى أوْ قَرِيبٍ مِنهُ كَرَّرَ التَّهْوِيلَ بِالعَذابِ سِتَّ مَرّاتٍ: أرْبَعٌ مِنها: ”فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذْرُ“ واثْنانِ مِنها: ”فَذُوقُوا عَذابِي ونَذَرَ“ فَهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الأرْبَعِ لِيَرْجِعَ السِّتُّ إلى الخَمْسِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿مُدَّكِرٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ كَما ضُرِبَتْ في الجِهاتِ السِّتِّ لِأجْلِ النِّعَمِ الَّتِي هي جَلْبُ المَصالِحِ ضُرِبَتْ فِيها لِلتَّذْكِيرِ بِدَفْعِ النِّقَمِ الَّذِي هو دَرْأُ المَفاسِدِ والتَّحْذِيرُ مِنها، ومِن فَوائِدِ تَكَرُّرِ السِّتِّ الرّاجِعَةِ إلى الخَمْسِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِجَلْبِ النِّعَمِ وأُخْرى لِدَفْعِ النِّقَمِ أنَّ الحَواسَّ مُكَرَّرَةٌ ظاهِرًا وباطِنًا، فَمَن ذَلَّ لِسانُهُ بِالقُرْآنِ ظاهِرًا صَحَّتْ حَواسُّهُ الظّاهِرَةُ ونُوِّرَتْ لَهُ الباطِنَةُ، ومَن أبى عُذِّبَ بِسَبَبِ الباطِنَةِ فَتَفْسَدُ الظّاهِرَةُ، واخْتِيرَ لِلْمَوْعِظَتَيْنِ عَدَدُ السِّتِّ مَعَ إرادَةِ جَماعَةٍ إلى خَمْسٍ لِأنَّ السِّتَّ عَدَدٌ تامٌّ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَدَ كُسُورِها إذا جُمِعَتْ سادَتْها ولَمْ تَزِدْ عَنْها ولَمْ تَنْقُصْ وهي النِّصْفُ والثُّلُثُ والسُّدُسُ، وهَذا العَدَدُ مُساوٍ لِدَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ وحَظِيرَتِهِ الجِهادِ الَّتِي هي عِمادُ تَقْوى المُتَّقِينَ أهْلِ مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلى نَبِيِّهِمْ ﷺ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ المُشارِ بِهِ إلى الصِّيامِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] والحَجِّ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] والجِهادِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ (p-١١٣)تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الدِّينَ تامٌّ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ لِأنَّ النَّبِيَّ الَّذِي أُرْسِلَ خِتامُ الأنْبِياءِ، وتَمامُ الرُّسُلِ الأصْفِياءِ. ولَمّا كانَ قَوْمُ عادٍ قَدْ تَكَبَّرُوا بِشِدَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وكانَتْ حالُ قُرَيْشٍ قَرِيبَةً مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ إنَّهم أمْنَعُ العَرَبِ وأقْواهم وأجْمَعُهم لِلْكَمالاتِ وأعْلاهُمْ، كَرَّرَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ زِيادَةً في تَذْكِيرِ قُرَيْشٍ وتَحْذِيرِهِمْ ولا سِيَّما وقَدْ كانَ بَدْءُ عَذابِهِمْ مِن بَلَدِهِمْ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ كَما هو مَشْرُوحٌ في قِصَّتِهِمْ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّوْقِ في قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهم عُذِّبُوا بِما يَرْدَعُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ بِالطَّمْسِ، فَلَمّا لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ أتاهم أكْبَرُ مِنهُ فَكانُوا كَأمْسِ الدّابِرِ، فَلِكُلِّ مَرَّةٍ مِنَ العَذابِ مِنَ الأمْرِ بِالذَّوْقِ، وخُصُّوا بِالأمْرِ بِالذَّوْقِ لِما في فاحِشَتِهِمُ الخَبِيثَةِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ، وقَدْ عَمَّ عَذابُ هَذِهِ الأُمَمِ جَمِيعَ الجِهاتِ بِما لِقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن جِهَةِ الغَرَقِ بِالماءِ الماطِرِ وحِجارَةِ السِّجِّيلِ ومِنَ البَحْثِ مِنَ الماءِ النّابِعِ والخَسْفِ، وما في عُمُومِ عَذابِهِمْ مِنَ اسْتِغْراقِ بَقِيَّةِ الجِهاتِ - واللَّهُ الهادِي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب