الباحث القرآني
(p-٨٦)سُورَةُ القَمَرِ
مَقْصُودُها بَيانُ آخِرِ النَّجْمِ في أمْرِ السّاعَةِ مِن تَحَقُّقِها وشِدَّةِ قُرْبِها وتَصْنِيفِ أهْلِها - بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ هُناكَ مِنَ العَجَبِ مِنَ القُرْآنِ والضَّحِكِ والبُكاءِ والعَمَلِ - إلى طالِبِ عِلْمٍ مُهْتَدٍ بِهِ، وإلى مُتْبِعٍ نَفْسَهُ هَواها وشَهَواتِها ضالٍّ بِإهْمالِها فَهو خائِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ بِذَلِكَ بِإخْبارِ نَبِيِّهِ (ﷺ) وتَحَقَّقَ صِدْقُهُ بِما أيَّدَهُ بِهِ مِن آياتِهِ الَّتِي ثَبَتَ بِها اقْتِدارُهُ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ، فَثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِالمُلْكِ وأيَّدَ اقْتِرابَها بِالتَّأْثِيرِ في آيَةِ اللَّيْلِ بِما يَدُلُّ عَلى الِاقْتِدارِ عَلى نَقْضِ السَّماواتِ المُسْتَلْزِمِ لِإهْلاكٍ. .. فَإنَّ ذَلِكَ. .. بِأنَّهُ ما بَقِيَ إلّا تَأْثِيرُ آيَةِ النَّهارِ وعِنْدَما يَكُونُ طَيَّ الِانْتِشارِ وعُمُومِ البَوارِ المُؤْذِنِ بِالإحْضارِ لَدى الواحِدِ القَهّارِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا الغَرَضِ كُلِّهِ أوَّلُ آياتِها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاقْتِرابِ والسّاعَةِ والقَمَرِ، وكانَتْ تَسْمِيَتُها بِالقَمَرِ أشْهَرَ لِدَلالَتِهِ بِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ عَلى الِاقْتِرابِ المُنَجَّمِ بِهِ النَّجْمُ بِالإشارَةِ لا بِالعِبارَةِ، ولَمْ تُسَمَّ بِالِانْشِقاقِ لِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى الِاسْمِ، فالسَّماءُ أحَقُّ بِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ فَتَمَّتْ قُدْرَتُهُ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَعَمَّتِ الشَّقِيَّ والسَّعِيدَ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ مَنِ اصْطَفاهُ فَأسْعَدَتْهم رَحْمَتُهُ.
* * *
لَمّا خُتِمَتِ النَّجْمُ بِالتَّهْدِيدِ بِاقْتِرابِ القِيامَةِ الَّتِي يُنْكِرُونَها بَعْدَ أنْ (p-٨٧)فَتَحَها بِالأقْسامِ البُلُسِ في النَّجْمِ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ القَمَرِ وغَيْرِهِ بِتَسْيِيرِهِ طُلُوعًا وأُفُولًا وصُعُودًا وهُبُوطًا، افْتَتَحَ هَذِهِ بِذَلِكَ مَعَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ عَقْلًا وسَمْعًا في التَّأْثِيرِ في أعْظَمِ آياتِ اللَّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيَقْطَعَ العِبادَ عَنِ الفَسادِ، ويَسْتَعِدُّوا لَها قَبْلَ مَجِيئِها أحْسَنَ اسْتِعْدادٍ، فَقالَ دالًّا عَلى عَظِيمِ اقْتِدارِهِ عَلَيْها بِتَأْنِيثِ فِعْلِها: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ اشْتَدَّتْ قُرْبًا السّاعَةُ: اللَّحْظَةُ الَّتِي لا ساعَةَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ لِأنَّهُ قَلَّ ما بَقِيَ بَيْنَنا وبَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْثِ خاتَمِ الأنْبِياءِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ بَعْدَ أُمَّتِهِ أُمَّةٌ تُنْتَظَرُ، فَيَكُونُ في الزَّمانِ مُهْلَةٌ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِاقْتِرابِها يَحْتاجُ عِنْدَ المُعانِدِ إلى آيَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، وكانَتِ الآياتُ السَّماوِيَّةُ أعْظَمَ، فالتَّأْثِيرُ فِيها أدَلُّ عَلى تَمامِ الِاقْتِدارِ، وكانَ القَمَرُ أدَلَّ عَلى الأنْواءِ الَّتِي بِها مَنافِعُ الخَلْقِ في مَعاشِهِمْ، وكانَتِ العَرَبُ أعْرَفَ النّاسِ بِها، دَلَّهم عَلى التَّأْثِيرِ فِيهِ عَلى اقْتِرابِها مَعَ الإرْهابِ مِن شَدائِدِ العَذابِ بِإعْدامِ الأسْبابِ فَقالَ: ﴿وانْشَقَّ﴾ بِغايَةِ السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ ﴿القَمَرُ﴾ آيَةً لِلرَّسُولِ المُنْذِرِ لَكم بِها، فَكانَ انْشِقاقُهُ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِإعْجازِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ - دالًّا عَلى كَوْنِها وقُرْبِها أيْضًا بِالتَّأْثِيرِ العَظِيمِ الخارِقِ لِعادَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في أحَدِ النَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أعْظَمُ الأسْبابِ المُقامَةِ لِلْمَعايِشِ الدّالِّ عَلى القُدْرَةِ عَلى التَّأْثِيرِ في الآخِرَةِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى القُدْرَةِ عَلى تَمامِ التَّصَرُّفِ فِيهِما مِن جَمْعِهِما وخَسْفِهِما واعْتِدامِهِما ولِسَبَبِهِما الَّذِي هو مِن أسْبابِ خَرابِ الأرْضِ، يَقُولُ الإنْسانُ عِنْدَهُ: أيْنَ المَفَرُّ؟ المُؤْذِنِ بِطَيِّ العالِمِ المُعْلِمِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ مُدَبِّرًا بِالحُكْمِ (p-٨٨)الدّالِّ عَلى بَعْثِ عِبادِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، فَيُثِيبَ مَن تابَعَ رُسُلَهُ ويُعاقِبَ مَن خالَفَهُمْ، وانْشِقاقُ القَمَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ أمْرٌ شَهِيرٌ جِدًّا، وإجْماعُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ كَما قالَهُ القُشَيْرِيُّ، وقالَ: رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا مُخالِفَ لَهُ فِيهِ - انْتَهى. وذَلِكَ «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً ”فَأراهُمُ انْشِقاقَ القَمَرِ بِحَيْثُ طَلَعَتْ فِرْقَةٌ عَنْ يَمِينِ حِراءٍ وأُخْرى عَنْ يَسارِهِ“» - رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومَعْلُومٌ أنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتْ كِتابَيْهِما بِالقَبُولِ فَهو يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُتَواتِرِ وقَدْ أيَّدَهُ القُرْآنُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ شَكٌّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ورَوى أيْضًا ابْنُ عُمَرَ وحُذَيْفَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقالَ أبُو حَيّانَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، ووَعَدُوهُ بِالإيمانِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَتْ لَيْلَةَ البَدْرِ فَسَألَ رَبَّهُ فانْشَقَّ - انْتَهى، ومَن قالَ: المُرادُ بِهِ ”سَيَنْشَقُّ“ يَحْتاجُ في صَرْفِ الماضِي عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المُسْتَقْبَلِ إلى صارِفٍ وأنّى لَهُ ذَلِكَ ولا سِيَّما وقَدْ تَأيَّدَتِ الحَقِيقَةُ بِالنِّسْبَةِ الصَّحِيحَةِ الشَّهِيرَةِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِأنَّ إلَيْهِ المُنْتَهى، وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى، وإذْ ذاكَ يَقَعُ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما أسْلَفَتْ، أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِقُرْبِ ذَلِكَ وحِسابِهِ لِيَزْدَجِرَ مَن وفَّقَهُ لِلِازْدِجارِ فَقالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ثُمَّ إنَّ سُورَةَ ص تَضَمَّنَتْ مِن عِنادِ (p-٨٩)المُشْرِكِينَ وسُوءِ حالِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ في عِبادَتِهِمْ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ما يَكادُ يُوجَدُ في غَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَها، وبَعْدَ التَّنْبِيهِ في السُّورَةِ قَبْلَها والتَّحْرِيكِ بِآياتٍ لا يَتَوَقَّفُ عَنْها إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وخَذَلَهُ، وأثْبَتَتِ السُّورَةُ بَعْدُ عَلى تَمْهِيدٍ ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ص فَلَمْ يُخْلِ سُورَةً مِنها مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ لِقَوْلِهِ في الزُّمَرِ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وقَوْلِهِ مَثَلًا لِحالِهِمْ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةِ إلى ما بَعْدُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ غافِرٍ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ [غافر: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] إلى ما تَخَلَّلَ هَذِهِ الآياتِ، وقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ (p-٩٠)وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ في الشُّورى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] الآيَةِ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] الآيَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَوْلِهِ في الزُّخْرُفِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] الآيَةِ،
﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] إلى ما تَرَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا قُرِّعُوا بِهِ أشَدَّ التَّقْرِيعِ، وتَكَرَّرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ فَتَأمَّلْها مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى في الدُّخانِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] إلى قَوْلِهِ ﴿هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] وقَوْلِهِ في الجاثِيَةِ: ”فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ“ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ في الأحْقافِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] ومُعْظَمُ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا إلى خِتامِها، وكَذَلِكَ سُورَةُ القِتالِ ولَمْ يَتَضَمَّنْ إلّا الأمْرَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ وتَعْجِيلِ حَرْبِهِمْ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] وأمّا سُورَةُ الفَتْحِ فَما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ البِشارَةِ والفَتْحِ أشَدُّ عَلى الكُفّارِ مِن كُلِّ ما قُرِّعُوا بِهِ، ولَمْ تَخْرُجْ عَنِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ، وكَذا سُورَةُ الحُجُراتِ لِتَضَمُّنِها مِنَ الأمْرِ بِتَقْدِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وإجْلالِهِ ما يُقِرُّ عَيْنَ المُؤْمِنِ ويَقْتُلُ العَدُوَّ الحاسِدَ وما فِيها (p-٩١)أيْضًا مِن إتْلافِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ وجَمْعِ كَلِمَتِهِمْ وتَآخِيهِمْ، ومَوْقِعُ هَذا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، وأمّا سُورَةُ الذّارِياتِ والطُّورِ والنَّجْمِ فَما تَضَمَّنَتْهُ مِمّا ذَكَرْناهُ قَبْلُ أوْضَحُ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ افْتُتِحَتْ كُلُّ سُورَةٍ مِنها فَتَأمَّلْ مَطالِعَها فَفي ذَلِكَ كِفايَةٌ في الغَرَضِ - واللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ، فَلَمّا انْتَهى ما قَصَدَ مِن تَقْرِيعِ مُكَذِّبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَلَغَتِ الآيُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ أقْصى غايَةٍ، وتَمَحَّضَ باطِلُهم وانْقَطَعَ دابِرُهُمْ، ولَمْ يُحِيرُوا جَوابًا فِيما عَرَضَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ في سُورَةِ القَمَرِ مِن أحْوالِ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وكانَ القَصْدُ مِن ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مُجَرَّدَ التَّعْرِيفِ بِأنَّهم ذُكِّرُوا فَكَذَّبُوا فَأُخِذُوا لِيَتَبَيَّنَ لِهَؤُلاءِ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ وأنْ لا يَغُرَّهم عَظِيمُ حِلْمِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ السُّورَةُ إعْذارٌ عِنْدَ تَبْكِيتِهِمْ وانْقِطاعِ حُجَّتِهِمْ بِما تَقَدَّمَ وبَعْدَ أنِ انْتَهى الأمْرُ في وعْظِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ بِكُلِّ آيَةٍ إلى غايَةٍ يَعْجِزُ عَنْها البَشَرُ، ولِهَذا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] وخَتَمَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] وهَذا يُبَيِّنُ ما قَدَّمْنا، وكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن تَقَدَّمَ حَتّى تَرْتَكِبُوا مُرْتَكَبَهم وتَظُنُّوا أنَّكم سَتَفُوزُونَ بِعَظِيمِ جَزائِكُمْ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ لَهم قِصَّةَ كُلِّ أُمَّةٍ وهَلاكَها عِنْدَ تَكْذِيبِها بِأعْظَمِ إيجازٍ وأجْزَلِ إيرادٍ وأفْخَمِ عِبارَةٍ وألْطَفِ إشارَةٍ، فَبَدَأ بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ثُمَّ اسْتَمَرَّ في ذِكْرِ الأُمَمِ (p-٩٢)مَعَ أنْبِيائِهِمْ حَسْبَما ذُكِرُوا في السُّورَةِ الوارِدِ فِيها إخْبارُهم مِن ذِكْرِ أُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا مِن قِصَصِهِمْ أوْقَعُ في الزَّجْرِ وأبْلَغُ في الوَعْظِ وأعْرَقُ في الإفْصاحِ بِسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ وعاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ خُتِمَتْ كُلُّ قِصَّةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] وتَخَلَّلَ هَذِهِ القِصَصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] وهي إشارَةٌ إلى ارْتِفاعِ عُذْرِ مَن تَعَلَّقَ بِاسْتِصْعابِ الأُمُورِ عَلى زَواجِرِهِ وتَنْبِيهاتِهِ ومَواعِظِهِ ويَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ واسْتِغْلاقِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ مُيَسَّرٌ قَرِيبُ المَرامِ، وهَذا فِيما يَحْصُلُ عِنْدَ التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ لِما عِنْدَهُ بِكَوْنِ الِاسْتِجابَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ووَراءَ ذَلِكَ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ ما لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ وحَسْبُ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ الإيمانُ بِجَمِيعِهِ والعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ تَعالى فَهْمَ ذَلِكَ عَلى مَن شَرَّفَهُ بِهِ وأعْلى دَرَجَتَهُ، فَيَتَبَيَّنُ بِحَسَبِ ما يَشْرَحُ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ومِن تَيَسُّرِ المَقْصُودِ المُتَقَدِّمِ تَكْرارُ قِصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ في عِدَّةِ سُوَرٍ أيَّ حِفْظٍ مِنها اطَّلَعَ عَلى ما هو كافٍ في الِاعْتِبارِ بِهِمْ، ثُمَّ إذا ضُمَّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ اجْتَمَعَ مِنهُ ما لَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ مِن بَعْضِ تِلْكَ السُّورَةِ، فَسُبْحانَ مَن جَعَلَهُ حُجَّةً باهِرَةً وبُرْهانًا عَلى صِدْقِ الآتِي بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وصِراطًا مُسْتَقِيمًا ونُورًا مُبِينًا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَواقِبَ الأُمَمِ في تَكْذِيبِهِمْ قالَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] ومِن هَذا النَّمَطِ قَوْلُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] (p-٩٣)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] أيْ إنَّكم تَعَلَّقْتُمْ بِتَألُّفِكم وجَماعَتِكم فَسَأُفَرِّقُ ذَلِكَ بِهَزِيمَتِكم يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ صَنادِيدِكم فَما حُجَّتُكم بَعْدَ هَذا، إنَّما مَساقُ القِصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ واعْتِمادُ التَّعْرِيفِ بِحالِ مَن ذُكِرَ في أنْ كَذَّبُوا وعانَدُوا، فَأعْقَبَ تَكْذِيبَهم أخْذُهم وهَلاكُهُمْ، ثُمَّ تَعَقَّبَ هَذا كُلَّهُ بِصَرْفِ الكَلامِ في مُشْرِكِي العَرَبِ في قَوْلِهِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ المَذْكُورَةِ فِيها قِصَصٌ عَلى هَذا الِاسْتِيفاءِ كالأعْرافِ وهُودٍ، وبِظاهِرِهِما لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَعْقِيبٌ بِذِكْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى الصِّفَةِ الوارِدَةِ هُنا، فَأنْبَأ ذَلِكَ بِكَمالِ المَقْصُودِ مِنَ الوَعْظِ والتَّحْرِيكِ بِذِكْرِهِ وانْقِضاءِ هَذا الغَرَضِ، وذَلِكَ أنَّهم ذُكِّرُوا أوَّلًا بِعَرْضِ أحْوالِ الأُمَمِ والتَّعْرِيفِ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في صُورَةِ عَرْضِ مَن يُرِيدُ تَأْدِيبَ طائِفَةِ مَن إلَيْهِ نَظَرُهم قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ مِنهم تَمَرُّدٌ وعِنادٌ، فَهو يَسْتَلْطِفُ في دُعائِهِمْ ولا يُكَلِّمُهم تَكْلِيمَ الواجِدِ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُفْهِمُ الإشْفاقَ والِاسْتِعْطافَ وإرادَةَ الخَيْرِ بِهِمْ ثُمَّ يُذَكِّرُهم بِذَلِكَ ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وإنْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ ما يُبَيِّنُ مِنهم فَظاعَةَ التَّهْدِيدِ وشِدَّةَ الوَعِيدِ، فَلا يَصْحَبُهُ تَعْيِينُ المُخاطَبِ وصَرْفُ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ لَوْ كانَ لا يَحْتَقِرُ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّلَطُّفِ حَتّى إذا تَكَرَّرَتِ المَوْعِظَةُ فَلَمْ تُقْبَلْ، فَهُنا مَحَلُّ الغَضَبِ وشِدَّةِ الوَعِيدِ، وعَلى هَذا ورَدَتِ السُّوَرُ المَذْكُورُ فِيها حالُ الأُمَمِ كَسُورَةِ الأعْرافِ وهُودٍ والمُؤْمِنِينَ والظُّلَّةِ والصّافّاتِ، وما مِن سُورَةٍ مِنها إلّا (p-٩٤)والَّتِي بَعْدَها أشَدُّ في التَّعْرِيفِ وآمَلُ في الزَّجْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، فَتَأمَّلْ تَعْقِيبَ القِصَصِ في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤] وقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ بِذِكْرِ مَن حَرَمَهُ بَعْدَ إشْرافِهِ عَلى الفَوْزِ وهو الَّذِي أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وتَذْكِيرَهُ إيّاهُ لِمِحْنَةِ الغَفْلَةِ إلى ما خُتِمَتْ بِهِ السُّورَةُ وذَلِكَ غَيْرُ خافٍ في التَّلَطُّفِ بِالمَوْعِظَةِ وقالَ تَعالى بَعْدَ قِصَصِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وتَكْرارُ الآيَةِ إلى آخِرِ السُّورَةِ يُجارِي ما ذَكَرَ ولَمْ تُبْقِ هَذِهِ وآيُ الأعْرافِ في تَلَطُّفِ الِاسْتِدْعاءِ، وقالَ تَعالى في قِصَصِ آخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] - إلى قَوْلِهِ - ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] اسْتَمَرَّتِ الآيُ عَلى شِدَّةِ الوَعِيدِ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ولَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ الآيَ، وبَيَّنَ الواقِعَةَ عَقِبَ قِصَصِ سُورَةِ هُودٍ، وقالَ في آخِرِ قِصَصِ الظُّلَّةِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] إلى قَوْلِهِ خاتِمَةَ السُّورَةِ: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَوَبَّخَهم وعَنَّفَهم ونَزَّهَ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ تَوَهُّمِهِمْ وعَظِيمِ إفْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكُلُّ هَذا تَعْنِيفٌ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مِثْلُهُ في السُّورَةِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ هو صَرِيحٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ مُعَيِّنٌ لَهم في غَيْرِ (p-٩٥)تَلْوِيحٍ ولا تَعْرِيضٍ، ثُمَّ إنَّهُ وقَعَ عَقِبَ كُلِّ قِصَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [الشعراء: ٦٧] وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وقالَ تَعالى في آخِرِ الصّافّاتِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وهَذا أعْظَمُ التَّوْبِيخِ وأشَدُّ التَّقْرِيعِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَبِيَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ بُهْتانِ مَقالِهِمْ وسُوءِ ارْتِكابِهِمْ وقُبْحِ فِعالِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فَلَمّا أُخِذُوا بِكُلِّ مَأْخَذٍ فَما أغْنى ذَلِكَ عَنْهم قالَ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٦] ولَمْ يَقَعْ أمْرُهُ ﷺ بِتَرْكِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم والتَّوَلِّي إلّا بَعْدَ حُصُولِ القِصَصِ في السُّورَةِ المَذْكُورَةِ وأخْذِهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وأوَّلُ أمْرِهِ بِذَلِكَ ﷺ في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] ثُمَّ في سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] بِأشَدِّ وعِيدٍ وأعْظَمِ تَهْدِيدٍ بِعَقِبِ كُلِّ قِصَّةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] ثُمَّ صَرَفَ إلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] فَبَلَغَ ذَلِكَ أعْظَمَ مَبْلَغٍ في البَيانِ وإعْذارٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] فَفَرَّقَ سُبْحانَهُ بِسابِقِ حِكْمَتِهِ فِيهِمْ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وانْقَضى ذِكْرُ القِصَصِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَها مُسْتَوْفاةً عَلى هَذا المَساقِ فِيما بَعْدُ إلى آخِرِ الكِتابِ - فَسُبْحانَ مَن رَحِمَ بِهِ عِبادَهُ المُتَّقِينَ وجَعَلَهُ آيَةً وأيَّ (p-٩٦)آيَةٍ باهِرَةٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وقَطَعَ عِنادَ الجاحِدِينَ وغائِلَةَ المُعْتَدِينَ وجَعَلَهُ بَيانًا كافِيًا ونُورًا هادِيًا وواعِظًا شافِيًا - جَعَلَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمَّنِ اهْتَدى واعْتَلَقَ بِسَبَبِهِ إنَّهُ أهْلُ الِاسْتِجابَةِ والعَفْوِ والمَغْفِرَةِ - انْتَهى.
{"ayah":"ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











