الباحث القرآني
ولَمّا وعَدَ الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الإحْسانَ، وصَفَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم ويُجْهِدُونَها عَلى أنْ يَتْرُكُوا ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ ما عَظَّمَ الشّارِعُ إثْمَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِالوَعِيدِ والحَدِّ، وعَطَفَ عَلى ”﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾“ قَوْلَهُ: ﴿والفَواحِشَ﴾ والفاحِشَةُ مِنَ الكَبائِرِ ما يَكْرَهُهُ الطَّبْعُ ويُنْكِرُهُ العَقْلُ ويَسْتَخِسُّهُ.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا التَّقْيِيدُ أنَّ مَن خالَطَ ما دُونَ فَما دُونَ كانَ مَغْفُورًا لَهُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنَّ ﴿اللَّمَمَ﴾ مَعْفُوٌّ، فَمَن خالَطَهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِدادِ مَن أحْسَنَ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ولَعَلَّهُ وضَعَ فِيهِ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”لَكِنَّ“ إشارَةً إلى الصَّغِيرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِاسْتِهانَتِهِ مَثَلًا كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] واللَّمَمُ هو صِغارُ الذُّنُوبِ، والمُرادُ هُنا ما يَحْصُلُ مِنها في الأحْيانِ كَأنَّهُ وقَعَ في صاحِبِهِ فَلْتَةً بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهُ، لا ما يُتَّخَذُ عادَةً أوْ يَكْثُرُ حَتّى يَصِيرَ كالعادَةِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ مُقارَبَةُ الذَّنْبِ ثُمَّ الِامْتِناعُ مِنهُ قَبْلَ الفِعْلِ، قالَ ذُو النُّونِ: ذِكْرُ الفاحِشَةِ مِنَ العارِفِ كَفِعْلِها مِن غَيْرِهِ - انْتَهى. يُقالُ: وألَمَّ بِالمَكانِ - إذا قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وقالَ البَغْوِيُّ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ أبُو صالِحٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّمَمِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ (p-٦٨)ثُمَّ لا يُعاوِدُهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْها مَلَكٌ كَرِيمٌ، ثُمَّ قالَ البَغْوِيُّ: فَأصْلُ اللَّمَمِ والإلْمامِ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، ولا يَكُونُ لَهُ إعادَةٌ ولا إقامَةٌ عَلَيْهِ - انْتَهى - وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.
ولَمّا كانَ المُلُوكُ لا يَغْفِرُونَ لِمَن تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهُ إلَيْهِمْ وإنْ صَغُرَتْ، فَكانَ السّامِعُ يَسْتَعْظِمُ أنْ يَغْفِرَ مَلِكُ المُلُوكِ سُبْحانَهُ مِثْلَ هَذا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ والتَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِكَ ﴿واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ فَهو يَغْفِرُ الصَّغائِرَ حَقًّا أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ويَغْفِرُ الكَبائِرَ إنْ شاءَ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ فَإنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ ما أمْكَنَهُ أتْباعُهُ، ولَوْ جاهَدَ حَتّى تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ في وقْتٍ فَسَدَتْ مَمْلَكَتُهُ فَأدّى ذَلِكَ إلى زَوالِ المُلْكِ مِن يَدِهِ أوِ اخْتِلالِهِ.
ولَمّا وصَفَ الَّذِينَ أحْسَنُوا فَكانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّهُ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ إلّا بِأفْعالِهِمْ، ورُبَّما قَطَعَ مَن عَمِلَ بِمَضْمُونِ الآيَةِ أنَّهُ مِمَّنْ أحْسَنَ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ بِذَواتِكم وأحْوالِكم مِنكم بِأنْفُسِكم ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ ابْتِداءً ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ الَّتِي طَبْعُها طَبْعُ المَوْتِ: البَرْدُ واليُبْسُ بِإنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها وتَهْيِئَتِكم لِلتَّكْوِينِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيكم تَقْوِيَةٌ قَرِيبَةٌ ولا بَعِيدَةٌ أصْلًا يُمَيِّزُ الثَّوابَ الَّذِي يَصْلُحُ لِتَكَوُّنِكم مِنهُ والَّذِي لا يَصْلُحُ ﴿وإذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ أيْ مَسْتُورُونَ. (p-٦٩)ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَكُونُ في بَطْنِ الأرْضِ وإنْ كانَ الجَنِينُ مَعْرُوفًا لِلطِّفْلِ في البَطْنِ، حَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مُزِجَ بِذَلِكَ التُّرابِ البارِدِ اليابِسِ الماءُ والهَواءُ، فَنَشَأتِ الحَرارَةُ والرُّطُوبَةُ، فَكانَتْ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأخْلاطُ الزَّكِيَّةُ والدَّنِيَّةُ، ولَكِنْ لا عِلْمَ لَكم أصْلًا، فَهو يَعْلَمُ إذْ ذاكَ ما أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإنْ عَمِلْتُمْ مُدَّةً مِنَ العُمْرِ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما جَبَلَكم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إلّا ما يَكُونُ في أنْفُسِكم حالَ كَوْنِهِ أنَّكم لا تُحِيطُونَ بِهِ إذْ ذاكَ عِلْمًا.
ولَمّا كانَ مِن عادَةِ مَن سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ أنْ يَفْتَخِرَ عَلى مَن قارَفَها لِما بُنِيَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الفَخْرِ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، وكانَ حالُهُ قَدْ يَتَبَدَّلُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَشْقى، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا﴾ أيْ تَمْدَحُوا بِالزَّكاةِ وهو البَرَكَةُ والطَّهارَةُ عَنِ الدَّناءَةِ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ حَقِيقَةً بِأنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ فَإنَّ تَزْكِيَتَهُ لِنَفْسِهِ مِن عَلاماتِ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ - قالَ القُشَيْرِيُّ - أوْ مَجازًا بِأنْ يُثْنِيَ عَلى غَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُثْنِي بِشَيْءٍ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، ورُبَّما حَصَلَ لَهُ الأذى بِسَبَبِهِ «وإنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا باعٌ أوْ ذِراعٌ» الحَدِيثُ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ أيْ مِنكم ومِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى حَصَلَ فِيهِ تَقْوى، فَهو يُوصِلُهُ فَوْقَ ما يُؤَمِّلُ مِنَ الثَّوابِ في الدّارَيْنِ، فَكَيْفَ بِمَن صارَتْ لَهُ التَّقْوى وصْفًا ثابِتًا.
{"ayah":"ٱلَّذِینَ یَجۡتَنِبُونَ كَبَـٰۤىِٕرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَ ٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَ ٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةࣱ فِی بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰۤ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











