الباحث القرآني

﴿فَأوْحى﴾ أيْ ألْقى سِرًّا مِن كَلامِ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذا القُرْبِ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ أيْ عَبْدِ اللَّهِ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا لِما هو مَعْلُومٌ مِمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ الشُّورى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَكُونُ وحْيًا بِواسِطَةِ رَسُولٍ يُوحِي بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ، والمَقامُ يُناسِبُ الإضْمارَ لِأنَّ الكَلامَ هو الوَحْيُ الخَفِيُّ، وعَبَّرَ بِالبُعْدِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ لِيَسْتَحِقَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ قَطُّ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن عاداهُ حَصَلَ مِنهم تَعَبُّدٌ لِغَيْرِهِ في الجُمْلَةِ، فَكانَ أحَقَّ الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ في غارِ حِراءٍ وغَيْرِهِ، وهَذِهِ المَنزِلَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - كانَتْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في أوَّلِ الوَحْيِ لَمّا كانَ بِحِراءٍ وفَرَقَ مِنهُ ﷺ فَرَجَعَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ، وقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. وأشارَ إلى عَظَمَةِ ما أُنْزِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أوْحى﴾ أيْ إنَّهُ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ فَأجْمَلَ لَهُ ما فَصَّلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن تَفْسِيرٍ لِضَمائِرِ مَظاهِرِ العِبارَةِ وإنْ كانَ الإضْمارُ في جَمِيعِ الأفْعالِ لا يَخْلُو عَنِ التِباسٍ (p-٤٧)وإشْكالٍ، ويُمْكِنُ لِأجْلِ احْتِمالِ الضَّمائِرِ لِما يُناسِبُها مِنَ الظَّواهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”دَنا“ وما بَعْدَهُ لِلَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ في ”عَبْدِهِ“ واضِحًا كَما تَقَدَّمَ في هَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّوْحِيدِ في بابِ ”﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]“ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ الإسْراءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَسْجِدِ الكَعْبَةِ «أنَّهُ جاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ وهو نائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ أوَّلُهُمْ”: أيُّهم هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، فَقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَلَمْ يَرَهم حَتّى أتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرى فِيما يَرى قَلْبُهُ وتَنامُ عَيْنُهُ ولا يَنامُ قَلْبُهُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تَنامُ أعْيُنُهم ولا تَنامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلّاهُ مِنهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بَيْنَ نَحْرِهِ إلى لَبَّتِهِ حَتّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتّى أنْقى جَوْفَهُ ثُمَّ أتى بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيهِ نُورٌ مِن ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إيمانًا وحِكْمَةً فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ ولَغادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَضَرَبَ بابًا مِن أبْوابِها فَناداهُ أهْلُ السَّماءِ: مَن هَذا؟ فَقالَ: جِبْرَئِيلُ، قالُوا: ومَن مَعَكَ، قالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ، قالُوا: وبُعِثَ إلَيْهِ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ (p-٤٨)وأهْلًا - ثُمَّ ذَكَرَ عُرُوجَهُ إلى السَّماواتِ السَّبْعِ، وأنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى مِنهُ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأوْحى إلَيْهِ فِيما يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً - فَذَكَرَ مَشُورَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُؤالِ التَّخْفِيفِ حَتّى صارَتْ خَمْسًا كُلُّ واحِدَةٍ بِعَشْرَةٍ، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ في هَذا الوَجْهِ وهو رَبُّ العِزَّةِ»“وهُوَ في غايَةِ الحُسْنِ إذا جَمَعْتَهُ مَعَ ما يَأْتِي في هَذا الوَجْهِ المَنقُولِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ ﷺ لَمّا اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى فَوَصَلَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ المَخْلُوقُ الصُّعُودَ عَنْهُ تَنَزَّلَ لَهُ الخالِقُ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِـ ”ثُمَّ“ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ تَنَزَّلَ لَهُ تَنَزُّلًا لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلى كُنْهِ رُتْبَتِهِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، ثُمَّ نَزَلَ ثُمَّ تَنَزَّلَ. ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ رُبَّما أوْهَمَتْ شَيْئًا لا يَلِيقُ بِهِ نَفاهُ ﷺ بِما في الرِّوايَةِ مِن تَخْصِيصِ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ الجَبّارِ فَعُلِمَ أنَّهُ قَرَّبَهُ تَقْرِيبًا يَلِيقُ بِهِ، وسَمّى ذَلِكَ دُنُوًّا فَكانَ الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي تَمْثِيلًا لِما وصَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِغايَةِ السُّهُولَةِ واليُسْرِ واللَّطافَةِ مَعَ اتِّصالِهِ بِالحَضَراتِ القُدْسِيَّةِ، والتَّعْبِيرُ بِالتَّدَلِّي لِإفْهامِ العُلُوِّ مِثْلَ ما كَنّى بِالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عَنْ إجابَةِ الدُّعاءِ بِفَتْحِ أبْوابِ (p-٤٩)السَّماءِ كَما رَوَيْناهُ في جُزْءِ العَيْشِيِّ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمْثِيلًا بِما نَعْرِفُهُ مِن حالِ المُلُوكِ في أنَّ أحَدَهم يَكُونُ نُزُولُهُ عَنْ سَرِيرِهِ أدْنى في إتْيانِ خَواصِّهِ إلَيْهِ، وفَتْحُ بابِهِ أدْنى لِمَن يَلِيهِمْ، وكُلَّما نَزَلَ دَرَجَةً كانَ الإذْنُ أعَمَّ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْنِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ، هَذا عِلْمُ المُخاطَبِينَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِمَن يَحْتاجُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وأمّا مَن هو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَهُ سُبْحانَهُ المَثَلُ الأعْلى ولا يُشْبِهُ شَيْئًا، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وفي ”قُرْآنِ الفَجْرِ“ مِن سُورَةِ سُبْحانَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ، وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ ما حاصِلُهُ أنَّ تِلْكَ الضَّمائِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الصّادِقَ بْنَ الباقِرِ: ”أدْناهُ رَبُّهُ حَتّى كانَ مِنهُ كَقابِ قَوْسَيْنِ“، وقالَ أيْضًا: انْقَطَعَتِ الكَيْفِيَّةُ عَنِ الدُّنُوِّ، ألا تَرى كَيْفَ حَجَبَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ دُنُوِّهِ ودَنا مُحَمَّدٌ ﷺ إلى ما أوْدَعَ قَلْبَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإيمانِ فَتَدَلّى بِسُكُونِ قَلْبِهِ إلى ما أدْناهُ وزالَ عَنْ قَلْبِهِ الشَّكُّ والِارْتِيابُ، وقالَ جَعْفَرُ أيْضًا: والدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا حَدَّ لَهُ، ومِنَ العِبادِ بِالحُدُودِ - انْتَهى. وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَمِيرُ ”اسْتَوى“ لَهُ ﷺ، ويَكُونُ المَعْنى: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ اسْتِواؤُهُ - أيِ اعْتِدالُ عِلْمِهِ - إلى غايَةٍ لَمْ يَصِلْها غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ عِلْمًا وكَسْبًا بِالمُلْكِ والمَلَكُوتِ والحالُ أنَّهُ بِالأُفُقِ الأعْلى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وتَدَلِّيهِ كِنايَةٌ عَنْ وُصُولِهِ بِسَبَبٍ عَظِيمٍ حامِلٍ السَّبَبَ لِلْمُتَدَلِّي، وعَبَّرَ بِهِ وهو ظاهِرٌ في النُّزُولِ مِن عُلُوٍّ مَعَ عَدَمِ الِانْفِصالِ مِنهُ لِئَلّا يُوهِمَ اخْتِصاصَ (p-٥٠)جِهَةِ العُلُوِّ بِهِ سُبْحانَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الجِهاتِ، ومِنهُ «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» وكَذا قِيلَ في الإشارَةِ بِـ «لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى» ومِنَ المَحاسِنِ جِدًّا أنْ تَكُونَ ألِفُ“ تَدَلّى " المُنْقَلِبَةُ عَنْ ياءٍ في هَذا الوَجْهِ بَدَلًا مِن لامٍ فَيَكُونَ مِنَ التَّدَلُّلِ وهو الِانْبِساطُ وُثُوقًا بِالمَحَبَّةِ، يُقالُ: تَدَلَّلَ عَلَيْهِ، أيِ انْبَسَطَ ووَثِقَ بِمَحَبَّتِهِ فَأفْرَطَ عَلَيْهِ، وانْبِساطُهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ إفْراطُ كَثْرَةِ سُؤالِهِ، وشَفاعَتُهُ في أُمَّتِهِ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أنَّهُ أرْحَمُ الخَلْقِ كَما كانَ مَعْلُومًا إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ زِيادَةُ تَقْرِيبِهِ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وإبْرازُ هَذا الكَلامِ في هَذِهِ الضَّمائِرِ المُتَحَمِّلَةِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ مِن غَيْرِ ظاهِرٍ يُعَيِّنُ المُرادَ يُناسِبُ لِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّها كانَتْ حالَةَ غَيْبٍ وخَفاءٍ وسَتْرٍ، وكانَ العِلْمُ فِيها واسِعًا، وسَوْقُ الضَّمائِرِ هَكَذا يُكْثِرُ احْتِمالَ الكَلامِ لِلْوُجُوهِ، فَيَتَّسِعُ العِلْمُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها وجْهٌ يُؤَدِّي إلى لَبْسٍ في الدِّينِ ولا رَكاكَةٍ في مَعْنًى ولا نَظْمٍ ولا مَجالٍ لِلْعِلْمِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب