الباحث القرآني

﴿إنَّكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿لَفِي قَوْلٍ﴾ مُحِيطٍ بِكم في أمْرِ القُرْآنِ [و] الآتِي بِهِ وجَمِيعِ أمْرِ دِينِكم وغَيْرِهِ مِمّا تُرِيدُونَ بِهِ إبْطالَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿مُخْتَلِفٍ﴾ كاخْتِلافِ طَرائِقِ السَّماءِ الَّتِي لا تَكادُ تَنْتَظِمُ، ولا يُعْرَفُ أوَّلُها مِن آخِرِها، واخْتِلافُ هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها مِن أوَّلِ السُّورَةِ واخْتِلافُ غاياتِها لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَدافِعٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَجْتَهِدُونَ في تَزْيِينِهِ وتَقْرِيبِهِ لِلْأفْهامِ وتَحْسِينِهِ فَإنَّهُ لا يَكادُ إذا عَرَضَهُ النّاقِدُ عَلى الفِكْرِ النّافِذِ يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ ولا يَرْتَبِطُ بِرابِطٍ، بَلْ تارَةً تَقُولُونَ: هَذا شَعْرٌ فَيَلْزَمُكم وصْفُهُ بِما تَصِفُونَ بِهِ الشِّعْرَ مِنَ الِاتِّساقِ بِالوَزْنِ المُجَرَّدِ والرَّوِيِّ المُتَّحِدِ، والعُذُوبَةِ والرَّشاقَةِ، وتارَةً تَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ فَيَلْزَمُكم مَعَ الإقْرارِ بِالعَجْزِ [عَنْهُ] أنَّهُ لا حَقائِقَ [لَهُ] والواقِعُ أنَّهُ لا يَتَأمَّلُهُ ذُو فَهْمٍ إلّا رَأى حَقائِقَهُ أثْبَتَ مِنَ الجِبالِ، وتارَةً تَقُولُونَ: أضْغاثُ أحْلامٍ، فَيَلْزَمُكم أنَّهُ لا يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ، ولا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ يَحْصُلُ، ولا يَعْجِزُ أحَدٌ عَنْ تَلْفِيقِ مِثْلِهِ، فَقَدْ أبْطَلْتُمْ قَوْلَكُمْ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ. وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ كِهانَةٌ فَيَلْزَمُكم أنْ تَعْتَقِدُوا مِنهُ (p-٤٥٢)ما تَعْتَقِدُونَ في أقْوالِ الكُهّانِ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ وإظْهارِ الخَبْءِ وفَصْلِ الحُكْمِ، فَأبْطَلْتُمْ ما مَضى مِن قَوْلِكُمْ: أضْغاثُ أحْلامٍ وسِحْرٌ وشِعْرٌ، وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ جُنُونٌ، فَقَدْ نَقَضْتُمْ جَمِيعَ أقْوالِكُمُ الماضِيَةِ ونادَيْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِالمُباهَتَةِ، تَقُولُونَ في الآتِي بِهِ: إنَّهُ شاعِرٌ وساحِرٌ ومَجْنُونٌ وكاهِنٌ وكاذِبٌ، وكُلُّ قَوْلٍ مِنها يَنْقُضُ الآخَرَ، وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أصْدَقُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنْ عارِ الكَذِبِ، وأنَّكم أعْقَلُ النّاسِ وأنْصَفُهُمْ، فَقَدْ تَباعَدَ أوَّلًا ما بَيْنَ أقْوالِكُمْ، ثُمَّ ما بَيْنَها وبَيْنَ أفْعالِكُمْ، فَكانَ اخْتِلافُ طَرائِقِ النُّجُومِ دالًّا عَلى مانِعٍ مُخْتارٍ تامِّ العِلْمِ كامِلِ القُدْرَةِ، وكَذا اخْتِلافُ قَوْلِكم عَلى هَذا الوَجْهِ مَعَ ما لَكم مِنَ العُقُولِ دالٌّ عَلى قاهِرٍ لَكم عَلى ذَلِكَ، فَهُما آيَتانِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب