الباحث القرآني

ولَمّا كانَ هَذا التَّقاوُلُ مِمّا يَهُولُ أمْرُهُ ويَقْلَعُ القُلُوبَ ذِكْرُهُ، صَوَّرَ وقْتَهُ بِصُورَةٍ تَزِيدُ في ذَلِكَ الهَوْلِ، ويَنْقَطِعُ دُونَ وصْفِها القَوْلُ، ولا يُطْمَعُ في الخَلاصِ مِنها بِقُوَّةٍ ولا حَوْلٍ، فَقالَ ما مَعْناهُ: [يَكُونُ] هَذا كُلُّهُ ﴿يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِأنَّ النّارَ كَبِيرَةٌ مَعَ ضِيقِها، فَهي تَسَعَ مِنَ الخَلائِقِ ما لا يَقَعُ تَحْتَ حَصْرٍ، وأنَّها مَعَ كَراهَتِها لِمَن يَصْلاها وتَجَهُّمِها لَهم تُحِبُّ تَهافُتَهم فِيها وجَلْبَهم إلَيْها عَبَّرَ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَقُولُ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي [لا] يَسُوغُ لِشَيْءٍ أنْ يَخْفى عَنْها ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ دارِ العَذابِ مَعَ الكَراهَةِ والعُبُوسَةِ والتَّجَهُّمِ إظْهارًا لِلْهَوْلِ بِتَصْوِيرِ الأمْرِ المُهَدَّدِ بِهِ، وتَقْرِيعِ الكُفّارِ، وتَنْبِيهِ مَن يَسْمَعُ (p-٤٣١)هَذا الخَبَرَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِنَ الغَفْلَةِ: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ فَصَدَقَ قَوْلُنا ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يُلْقى فِيها مِنَ الخَلائِقِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، فَتَقُولُ: لا. ﴿وتَقُولُ﴾ طاعَةً لِلَّهِ ومَحَبَّةً في عَذابِ أعْدائِهِ وإخْبارًا بِأنَّها لَمْ تَمْتَلِئْ؛ لِأنَّ النّارَ مِن شَأْنِها أنَّها كُلَّما زِيدَتْ حَطَبًا زادَتْ لَهَبًا: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ العُصاةِ إزادَةً، سَواءٌ كانَ كَثِيرًا أوْ قَلِيلًا؛ فَإنِّي أسَعُ ما يُؤْتى بِهِ إلَيَّ ولا تَزالُ كَذَلِكَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: ««لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ»». أيْ: يَضْرِبُها مِن جَبَرُوتِهِ بِسَوْطِ إهانَةٍ فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّونَ بَيْنَ دُولَتَيِ الحَرِّ والزَّمْهَرِيرِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ آيَةً في هَذِهِ الدّارِ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ في الحَرِّ والبَرْدِ، فَإذا أفْرَطَ الحُرُّ جاءَتْ رَحْمَتُهُ [تَعالى بِالبَرْدِ وبِالماءِ مِنَ السَّماءِ فامْتَزَجا مَعًا فَكانَ التَّوَسُّطُ، وإذا أفْرَطَ البَرْدُ جاءَتْ رَحْمَتُهُ] بِالحَرِّ بِواسِطَةِ الشَّمْسِ، فامْتَزَجَ المُوجَدانِ، فَكانَ لَهُ تَوَسُّطٌ، وكُلُّ ذَلِكَ [لَهُ] دَوائِرُ مَوْزُونَةٌ بِأقْساطٍ مُقَسَّطَةٍ مَعْلُومَةٍ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب