الباحث القرآني

ولَمّا انْقَضى هَذا النَّقْضُ؛ وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ - كَما مَضى - أشَدُّ؛ أتْبَعَهُ إبْطالَ دَعْوى التَّثْلِيثِ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن تِلْكَ النَّتِيجَةِ نَتِيجَةً أُخْرى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ بِجُرْأةٍ؛ عَلى الكَلامِ المُتَناقِضِ؛ وعَدَمِ حَياءٍ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿ثالِثُ﴾؛ أيْ: واحِدُ ﴿ثَلاثَةٍ﴾؛ أيْ: كُلُّهم آلِهَةٌ؛ وأمّا القائِلُ بِأنَّهُ ثالِثٌ بِالعِلْمِ؛ فَلا يَكْفُرُ. ولَمّا أعْلَمَ بِكُفْرِهِمْ؛ أشارَ إلى إبْطالِهِ؛ كَما أشارَ إلى إبْطالِ الأوَّلِ؛ كَما سَلَفَ؛ بِما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ تَحْقِيقًا لِتَلَبُّسِهِمْ بِمَعْنى الكُفْرِ؛ الَّذِي هو سَتْرُ ما هو ظاهِرٌ؛ فَقالَ: ﴿وما﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ كَما هو الحَقُّ؛ واقْتَضاهُ المَقامُ؛ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ (p-٢٥٠)ولا يُتَصَوَّرُ في العَقْلِ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مُتَعَدِّدًا؛ لا تَحْقِيقًا؛ ولا تَقْدِيرًا؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ وهو اللَّهُ (تَعالى)؛ لا غَيْرُهُ؛ وقَدْ بَيَّنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الإنْجِيلِ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلّا واحِدًا - بِالمُعْتَمَدِ مِن أدِلَّةِ ذَلِكَ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ الأُصُولِ؛ وهو بُرْهانُ التَّمانُعِ المُشارُ إلَيْهِ في كِتابِنا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ فَقالَ مُتَرْجِمُهم في إنْجِيلِ مَتّى: (حِينَئِذٍ أُتِيَ إلَيْهِ - أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأعْمى؛ أخْرَسَ؛ لَهُ شَيْطانٌ؛ فَأبْرَأهُ؛ حَتّى إنَّهُ تَكَلَّمَ؛ وأبْصَرَ؛ فَبُهِتَ الجَمْعُ كُلُّهُمْ؛ وقالُوا: لَعَلَّ هَذا هو ابْنُ داوُدَ؛ فَسَمِعَ الفَرِّيسِيُّونَ؛ فَقالُوا: هَذا لا يُخْرِجُ الشَّياطِينَ إلّا بِباعَلَ زَبُولَ؛ رَئِيسِ الشَّياطِينِ؛ فَلَمّا عَلِمَ مَكْرَهم قالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ عَلى ذاتِها تُخْرَبُ؛ وكُلُّ مَدِينَةٍ أوْ بَيْتٍ يَنْقَسِمُ لا يَثْبُتُ؛ فَإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُخْرِجُ الشَّيْطانَ فَقَدِ انْقَسَمَ؛ فَكَيْفَ يَقُومُ مُلْكُهُ؟ فَإنْ كُنْتُ أنا أُخْرِجُ الشَّياطِينَ بِباعَلَ زَبُولَ فَأبْناؤُكم بِما تُخْرِجُونَهُمْ؟! مِن أجْلِ هَذا هم يَكُونُونَ عَلَيْكُمْ؛ وإنْ كُنْتُ أنا بِرُوحِ اللَّهِ أُخْرِجُ الشَّياطِينَ فَقَدْ قَرَّبْتُ مِنكم مَلَكُوتَ اللَّهِ؛ وكَيْفَ يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَخْطِفَ مَتاعَهُ إلّا أنْ يَرْبِطَ القَوِيَّ أوَّلًا؛ حِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وأمّا الكَتَبَةُ الَّذِينَ أتَوْا مِن يَرُوشَلِيمَ فَقالُوا: إنَّ بَعْلَ زَبُولَ مَعَهُ؛ وبِأُرْكُونِ الشَّياطِينِ يَخْرُجُ الشَّياطِينُ؛ فَدَعاهُمْ؛ وقالَ لَهُمْ: كَيْفَ (p-٢٥١)يَقْدِرُ شَيْطانٌ أنْ يُخْرِجَ شَيْطانًا؟! وكُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ لا تَثْبُتُ تِلْكَ المَمْلَكَةُ؛ فَإذا اخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ لا يَثْبُتُ ذَلِكَ البَيْتُ؛ وإنْ كانَ الشَّيْطانُ الَّذِي يُقاوِمُ بَقِيَّتَهُ ويَنْقَسِمُ؛ فَلَنْ يَقْدِرَ أنْ يَثْبُتَ؛ لَكِنَّ لَهُ انْقِضاءً؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَنْتَهِبَ بَيْتَهُ إلّا أنْ يَرْبِطَهُ أوَّلًا؛ ويَنْتَهِبَ مَتاعَهُ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُغْفَرُ لِبَنِي النّاسِ مِنَ الخَطايا؛ والتَّجْدِيفِ الَّذِي يُجَدِّفُونَهُ؛ والمُجَدِّفُونَ عَلى رُوحِ القُدُسِ لَيْسَ يُغْفَرُ لَهم إلى الأبَدِ؛ بَلْ يَحِلُّ بِهِمُ العِقابُ الدّائِمُ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَعَهُ رُوحًا نَجِسًا؛ قالَ مَتّى: مَن لَيْسَ مَعِي فَهو عَلَيَّ؛ ومَن لا يَجْمَعُ مَعِي فَهو يُفَرِّقُ؛ مِن أجْلِ هَذا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ وتَجْدِيفٍ يُتْرَكُ لِلنّاسِ؛ والتَّجْدِيفُ عَلى رُوحِ القُدُسِ لا يُتْرَكُ؛ ومَن يَقُلْ كَلِمَةً عَلى ابْنِ الإنْسانِ يُتْرَكُ لَهُ؛ والَّذِي يَقُولُ عَلى رُوحِ القُدُسِ لا يُتْرَكُ لَهُ في هَذا الدَّهْرِ؛ ولا في الآتِي؛ إمّا أنْ تَصِيرُوا الشَّجَرَةَ الجَيِّدَةَ؛ وثَمَرَتُها جَيِّدَةٌ؛ وإمّا أنْ تَصِيرُوا الشَّجَرَةَ الرَّدِيئَةَ؛ وثَمَرَتُها رَدِيئَةٌ؛ لِأنَّ مِنَ الثَّمَرَةِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ؛ يا أوْلادَ الأفاعِي؛ كَيْفَ تَقْدِرُونَ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّلاحِ وأنْتُمْ أشْرارٌ؟! إنَّما يَتَكَلَّمُ الفَمُ مِن فَضْلِ ما في القَلْبِ؛ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَن كَنْزُهُ الصّالِحُ يُخْرِجُ الصَّلاحَ؛ والرَّجُلُ الشِّرِّيرُ مَن كَنْزُهُ الشِّرِّيرُ يُخْرِجُ الشَّرَّ؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ يَتَكَلَّمُ بِها النّاسُ بَطّالَةً؛ يُعْطَوْنَ عَنْها جَوابًا في يَوْمِ (p-٢٥٢)الدِّينِ؛ لِأنَّكَ مِن كَلامِكَ تَتَبَرَّرُ؛ ومِن كَلامِكَ يُحْكَمُ عَلَيْكَ. وفِي إنْجِيلِ لُوقا: وفِيما هو يَتَكَلَّمُ إذْ رَفَعَتِ امْرَأةٌ مِنَ الجَمْعِ صَوْتَها؛ وقالَتْ: طُوبى لِبَطْنِ الَّتِي حَمَلَتْكَ؛ ولِثَدْيِ الَّتِي أرْضَعَتْكَ؛ فَقالَ لَها: مَهْلًا! طُوبى لِمَن يَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ويَحْفَظُهُ؛ انْتَهى؛ حِينَئِذٍ أجابَهُ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ والفَرِّيسِيِّينَ قائِلِينَ: نُرِيدُ يا مُعَلِّمُ أنْ تُرِيَنا آيَةً؛ أجابَهم وقالَ لَهُمْ: الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَطْلُبُ آيَةً فَلا يُعْطى آيَةً؛ إلّا آيَةَ يُونانَ النَّبِيِّ؛ قالَ لُوقا: فَكَما كانَ في يُونانَ آيَةٌ لِأهْلِ نِينَوى؛ كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإنْسانِ لِهَذا الجِيلِ آيَةً؛ انْتَهى؛ رِجالُ نِينَوى يَقُومُونَ في الحُكْمِ؛ ويُحاكِمُونَ هَذا الجِيلَ؛ لِأنَّهم تابُوا بِكَرِيزَةِ يُونانَ - وقالَ لُوقا: بِإنْذارِ يُونانَ - وهَهُنا أفْضَلُ مِن يُونانَ؛ مَلِكَةُ التَّيْمُنِ؛ تَقُومُ في الحُكْمِ مَعَ هَذا الجِيلِ؛ وتُحاكِمُهُ؛ لِأنَّها أتَتْ مِن أقْصى الأرْضِ لِتَسْمَعَ مِن حِكْمَةِ سُلَيْمانَ؛ وهَهُنا أفْضَلُ مِن سُلَيْمانَ؛ إنَّ الرُّوحَ النَّجِسَ إذا خَرَجَ مِنَ الإنْسانِ يَأْتِي أمْكِنَةً لَيْسَ فِيها ماءٌ؛ يَطْلُبُ راحَةً فَلا يَجِدُ؛ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أرْجِعُ إلى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنهُ؛ فَيَأْتِي فَيَجِدُ المَكانَ فارِغًا مَكْنُوسًا؛ مُزَيَّنًا؛ فَيَذْهَبُ حِينَئِذٍ ويَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أرْواحٍ أُخَرَ شَرًّا مِنهُ؛ ويَأْتِي ويَسْكُنُ هُناكَ؛ فَتَصِيرُ آخِرَةُ ذَلِكَ الإنْسانِ شَرًّا مِن أوَّلِيَّتِهِ؛ وهَكَذا يَكُونُ لِهَذا الجِيلِ الشِّرِّيرِ؛ انْتَهى؛ والتَّجْدِيفُ هو الكُفْرُ بِالنِّعَمِ؛ ويُونانُ: (p-٢٥٣)يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والكَرِيزَةُ: بَيَّنَها لُوقا بِأنَّها الإنْذارُ؛ والتَّيْمُنُ: اليَمَنُ؛ والأُرْكُونُ؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ والكافِ؛ بَيْنَهُما راءٌ مُهْمَلَةٌ ساكِنَةٌ: الكَبِيرُ؛ ويَرُوشَلِيمُ؛ بِفَتْحِ التَّحْتانِيَّةِ وضَمِّ المُهْمَلَةِ؛ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وباعَلَ زَبُولُ؛ لا تَصِحُّ أصْلًا؛ وأمّا الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ شَرِكَةِ كُلٍّ مِن عِيسى؛ وأُمِّهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ بِخُصُوصِهِما؛ فَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ والمُرادُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَتى دَخَلَتِ الشَّرِكَةُ أتى النَّقْصُ فِعْلًا؛ أوْ إمْكانًا؛ ومَنِ اعْتَرَتْهُ شائِبَةُ نَقْصٍ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ إلَهًا. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم كَفَرُوا؛ وأشارَ إلى نَقْضِ قَوْلِهِمْ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ بَعْدَهُ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ تَرْهِيبَهُمْ؛ ثُمَّ تَرْغِيبَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾؛ أيْ: الكَفَرَةُ بِجَمِيعِ أصْنافِهِمْ؛ ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مِن هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ؛ وما داناهُما؛ ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾؛ أيْ: مُباشَرَةً؛ مِن غَيْرِ حائِلٍ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: دامُوا عَلى الكُفْرِ؛ وبَشَّرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَتُوبُ عَلى بَعْضِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب