الباحث القرآني
ولَمّا كانَ ما مَضى في هَذِهِ السُّورَةِ غالِبًا؛ في فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ لا سِيَّما اليَهُودَ؛ وبَيانِ أنَّهم عَضُّوا عَلى الكُفْرِ؛ ومَرَدُوا عَلى الجَحْدِ؛ وتَمَرَّنُوا عَلى البُهْتِ؛ وعَتَوْا عَنْ أوامِرِ اللَّهِ؛ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِأنَّهُ رُبَّما حُدِّثَ في الخاطِرِ أنَّهُ إنْ آمَنَ مِنهم أحَدٌ ما يُقْبَلُ؛ أوْ لِأنْ يَقُولُوا هُمْ: لَيْسَ في دُعائِنا حِينَئِذٍ فائِدَةٌ؛ فَلا تَدْعُنا؛ أخْبَرَ أنَّ البابَ مَفْتُوحٌ لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِهِ إلّا عَدَمُ الإخْلاصِ؛ فَإذا أخْلَصَ أُذِنَ في دُخُولِهِ؛ ونُودِيَ بِقَبُولِهِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أحْسَنُ -: لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم بِالزِّيادَةِ في الكُفْرِ؛ رَغَّبَ القِسْمَ الآخَرَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ مَعَهم كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الأمْرَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ وأمْرًا؛ ونَهْيًا - خاصٌّ بِهِمْ؛ فَوَقَعَ الإعْلامُ بِأنَّهم وغَيْرَهم مِن جَمِيعِ الفِرَقِ في ذَلِكَ سَواءٌ؛ تَشْرِيفًا لِمِقْدارِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ وإحاطَةِ الرِّسالَةِ؛ (p-٢٤١)فَقالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: قالُوا: آمَنّا؛ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودَ؛ ﴿والصّابِئُونَ﴾؛ أيْ: القائِلُونَ بِالأوْثانِ السَّماوِيَّةِ؛ والأصْنامِ الأرْضِيَّةِ؛ ﴿والنَّصارى﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّباعَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَمّا كانَ اليَهُودُ قَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ؛ مُتَقَرِّبِينَ بِها إلى النُّجُومِ؛ في اسْتِنْزالِ الرُّوحانِيّاتِ؛ انْهِماكًا في السِّحْرِ؛ الَّذِي جاءَ نَبِيُّهم مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِإبْطالِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ هو مَعْنى دِينِ الصّابِئَةِ؛ وفَرَّقَ بَيْنَ فَرِيقَيْ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِمْ؛ مُكْتَفِيًا بِهِمْ عَنْ ذِكْرِ بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ؛ لِما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ ولِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن ذَمِّ اليَهُودِ؛ بِالنَّقْضِ لِلْمِيثاقِ؛ والكُفْرِ؛ واللَّعْنِ؛ والقَسْوَةِ؛ وتَكَرُّرِ الخِيانَةِ؛ وإخْفاءِ الكِتابِ؛ والمُسارَعَةِ في الكُفْرِ؛ والنِّفاقِ؛ والتَّخْصِيصِ بِالكُفْرِ؛ والظُّلْمِ؛ والفِسْقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّامّاتِ ما يَسُدُّ الأسْماعَ؛ كانَ قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ جَدِيرًا بِالإنْكارِ؛ وكانُوا هم يُنْكِرُونَ - عِنادًا - فَلاحَ العَرَبِ؛ مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن؛ فاقْتَضى الحالُ كَوْنَ الفَرِيقَيْنِ في حَيِّزِ التَّأْكِيدِ؛ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لِلصّابِئَةِ ذِكْرٌ هُنا؛ فَأُخْرِجُوا مِنهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقامَ لا يَقْتَضِيهِ لَهُمْ؛ فابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمُ اعْتِراضًا؛ ودَلَّ عَلى الخَبَرِ عَنْهم بِخَبَرِ ”إنَّ“؛ أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْغِيبِ في التَّوْبَةِ؛ وجَعْلِ هَؤُلاءِ؛ مَعَ شَناعَةِ حالِهِمْ بِظُهُورِ ضَلالِهِمْ؛ كَمَن لا إنْكارَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ؛ كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ حالُ النَّصارى مُشْتَبِهًا؛ جُعِلُوا في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِلْعَطْفِ عَلى اليَهُودِ؛ لِما (p-٢٤٢)تَقَدَّمَ مِن ذَمِّهِمْ؛ وعَلى الصّابِئَةِ؛ لِخِفَّةِ حالِهِمْ؛ بِأنَّهم - مَعَ أنَّ أصْلُ دِينِهِمْ صَحِيحٌ - لَمْ يَبْلُغْ ذَمُّهُمُ السّابِقُ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْلَغَ ذَمِّ اليَهُودِ؛ ﴿مَن آمَنَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مُخْلِصًا مِن قَلْبِهِ؛ ولَعَلَّهُ تَرَكَ الجارَّ إعْراقًا في التَّعْمِيمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ العِبادُ بِأرْواحِهِمْ؛ وأشْباحِهِمْ؛ ويُبْعَثُ مَن ذَكَرَهُ عَلى الزَّهادَةِ؛ وألْحَدَ في العِبادَةِ؛ وبِالإيمانِ بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ بِاعْتِقادِ كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾؛ أيْ: صَدَّقَ إيمانَهُ القَلْبِيَّ بِالعَمَلِ بِما أُمِرَ بِهِ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ فَضِيلَتَيِ العِلْمِ؛ والعَمَلِ؛ ويَتَطابَقَ الجَنانُ مَعَ الأرْكانِ؛ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ يُعْتَدُّ بِهِ في دُنْيا؛ ولا في آخِرَةٍ؛ ﴿ولا هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَحْزَنُونَ﴾؛ أيْ: عَلى شَيْءٍ فاتَ؛ لِأنَّهُ لا يَفُوتُهم شَيْءٌ يُؤْسَفُ عَلَيْهِ أصْلًا؛ وأمّا غَيْرُهم فَهم في الحُزْنِ أبَدًا؛ وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ المُشارِ إلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ بِنِسْبَتِهِمْ إلى أكْلِ السُّحْتِ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وفي نُصُوصِ التَّوْراةِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ أعْظَمُ ناصِحٍ لَهم في ذَلِكَ؛ كَما سَبَقَ في أوائِلِ ”البَقَرَةِ“؛ وقالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها - عِنْدَ ذِكْرِ التِّيهِ؛ ووَصاياهُمْ؛ إذْ أدْخَلَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ؛ ومَكَّنَهم فِيها بِأشْياءَ؛ (p-٢٤٣)مِنها القُرْبانُ -: (وإنْ سَكَنَ بَيْنَكم رَجُلٌ غَرِيبٌ يُقْبِلُ إلَيَّ؛ أوْ بَيْنَ أوْلادِكم لِأحْقابِكُمْ؛ ويُقَرِّبُ قُرْبانًا لِرِبْحِ قَتارِ الذَّبِيحَةِ لِلرَّبِّ؛ يَفْعَلُ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ؛ ولْتَكُنِ السُّنَّةُ واحِدَةً لَكُمْ؛ ولِلَّذِينِ يُقْبِلُونَ إلَيَّ؛ ويَسْكُنُونَ بَيْنَكُمْ؛ سُّنَّةً جارِيَةً لِأحْقابِكم إلى الأبَدِ؛ والَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيَّ مِنَ الغُرَباءِ يَكُونُونَ أمامَ الرَّبِّ مِثْلَكُمْ؛ ولْتَكُنْ لَكم سُّنَّةٌ واحِدَةٌ؛ وحُكُومَةٌ واحِدَةٌ؛ لَكم ولِلَّذِينِ يُقْبِلُونَ إلَيَّ؛ ويَسْكُنُونَ مَعَكم.
{"ayah":"إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











