الباحث القرآني

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالحُكْمِ فِيما مَضى لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ عَلى الأحْوالِ المَذْكُورَةِ؛ أعادَ الأمْرَ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ لِذاتِهِ؛ لا لِشَيْءٍ آخَرَ؛ لِيَكُونَ الأمْرُ بِهِ مُؤَكَّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ بِالأمْرِ بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ؛ وأُخْرى لِأنَّهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ؛ فَقالَ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَنْوِيهًا بِعَظِيمِ شَأْنِهِ؛ ومُحَذِّرًا مِنَ الأعْداءِ فِيما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ لِلصَّدِّ عَنْهُ: ﴿وأنِ﴾؛ أيْ: احْكم بَيْنَهم بِذَلِكَ؛ لِما قُلْنا مِنَ السَّبَبِ؛ وما ذَكَرْنا مِنَ العِلَّةِ في جَعْلِنا لِكُلٍّ دِينًا؛ ولِأنّا قُلْنا آمِرِينَ لَكَ أنْ ﴿احْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الكُتُبِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ لِذاتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّ مُخالَفَتَهم لَهُ؛ وإعْراضَهم عَنْهُ؛ إنَّما هو مُجَرَّدُ هَوًى؛ لِأنَّ كِتابَهم داعٍ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾؛ أيْ: في عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِهِ؛ ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ﴾؛ أيْ: يُخالِطُوكَ بِكَذِبِهِمْ (p-١٨٤)عَلى اللَّهِ؛ وافْتِرائِهِمْ؛ وتَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ ومُراءاتِهِمْ؛ مُخالَطَةً تُمِيلُكَ؛ ﴿عَنْ بَعْضِ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ فَلا وجْهَ أصْلًا لِلْعُدُولِ عَنْ أمْرِهِ؛ ﴿إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَمّا حَكَمْتَ بِهِ بَيْنَهُمْ؛ مُضادِّينَ لِما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ اتِّباعِ الحَقِّ؛ ودَعَتْ إلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ اتِّباعِكَ؛ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿أنْ يُصِيبَهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ بِهِمُ الخَيْرَ لَهَداهم إلى القَبُولِ الَّذِي يُطابِقُ عَلَيْهِ شاهِدُ العَقْلِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ والنَّقْلِ بِما في كُتُبِهِمْ؛ إمّا مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ الحُكْمِ بِعَيْنِهِ؛ وإمّا مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِكَ؛ ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هَذا مِنها؛ وأبْهَمَهُ زِيادَةً في اسْتِدْراجِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ وتَحْذِيرًا لَهم مِن جَمِيعِ مَساوِي أعْمالِهِمْ؛ لِئَلّا يَعْلَمُوا عَيْنَ الذَّنْبِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ؛ فَيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ ويَصِيرَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ؛ أوْ يَكُونُ إبْهامُهُ لِلتَّعْظِيمِ؛ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ؛ فَيُؤْذِنُ السِّياقُ بِتَعْظِيمِ هَذا التَّوَلِّي؛ وبِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مُواقَعَتِها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّهم بِالتَّوَلِّي فاسِقُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: هُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ ﴿لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الطّاعاتِ؛ ومَعادِنِ السِّعاداتِ؛ مُتَكَلِّفُونَ لِأنْفُسِهِمْ إظْهارَ ما في بَواطِنِهِمْ مِن خَفِيِّ الحِيلَةِ بِقُوَّةٍ؛
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب