الباحث القرآني
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا صُورَتُهُ صُورَةُ المِنَّةِ، قالَ مُتَرْجِمًا لَهُ مُبَكِّتًا لَهم عَلَيْهِ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِ في شَناعَتِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: يَذْكُرُونَ ذِكْرَ مَنِ اصْطَنَعَ [عِنْدَكَ] صَنِيعَةً وأسْدى إلَيْكَ نِعْمَةً، إنَّما فَعَلَها لِحاجَتِكَ إلَيْها لا لِقَصْدِ الثَّوابِ عَلَيْها؛ لِأنَّ المَنَّ هو القَطْعُ - قالَ في الكَشّافِ: لِأنَّهُ إنَّما يُسْدِيها إلَيْهِ لِيَقْطَعَ بِها حاجَتَهُ [لا غَيْرَ]، مِن (p-٣٩٢)غَيْرِ أنْ يَعْمِدَ لِطَلَبِ مَثُوبَةٍ، ثُمَّ يُقالُ: مَن عَلَيْهِ ضَيْعَةٌ - إذا اعْتَدَّهُ عَلَيْهِ مِنَّةً وإنْعامًا. ولَمّا كانَ الإسْلامُ ظاهِرًا في الدِّينِ الَّذِي هو الِانْقِيادُ بِالظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ [الباطِنِ] لَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وقالَ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ [آل عمران: ٢٠] أيْ: أوْقَعُوا الِانْقِيادَ لِلْأحْكامِ في الظّاهِرِ.
ولَمّا كانَ المَنُّ هو القَطْعَ مِنَ العَطاءِ الَّذِي لا يُرادُ عَلَيْهِ جَزاءٌ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا: ﴿لا تَمُنُّوا﴾ مُعَبِّرًا بِما مِنَ المَنِّ إشارَةً إلى أنَّ الإسْلامَ لا يُطْلَبُ جَزاؤُهُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَلا يَنْبَغِي عَدُّهُ صَنِيعَةً عَلى أحَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ ﴿عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ لَوْ فُرِضَ أنَّكم كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أيْ مُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو انْقِيادُ الظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ الباطِنِ، [أيْ] لا تَذْكُرُوهُ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ أصْلًا، فالفِعْلُ وهو ﴿تَمُنُّوا﴾ مُضَمَّنٌ: ”تَذْكُرُوا“ نَفْسِهِ لا مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ [فِي] ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ المِنَّةُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ ولا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَذْكُرُ أنَّهُ أسْدى إلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً مِنها ما هو ﴿أنْ﴾ أيْ: بِأنْ ﴿هَداكم لِلإيمانِ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ لَكم أوْ وفَّقَكم لِلِاهْتِداءِ وهو تَصْدِيقُ الباطِنِ مَعَ الِانْقِيادِ بِالظّاهِرِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا بِالمَنِّ أحَقُّ مَواضِعِهِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى عَمَلٍ؛ فَإنَّهُ لا نَفْعَ يَلْحَقُهُ ولا ضُرَّ، وإنَّما طَلَبَ الأعْمالَ لِنَفْعِ العامِلِينَ أنْفُسِهِمْ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ أرْسَلَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ (p-٣٩٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيَّنَ لَهم فَكَذَّبُوهُ بِأجْمَعِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَوِّيهِ حَتّى أظْهَرَ فِيهِ [آيَةَ] مَجْدِهِ وأظْهَرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ودَخَلَ فِيهِ النّاسُ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى وُجُوهٍ مِنَ المَجْدِ يَعْرِفُها مَنِ اسْتَحْضَرَ السِّيرَةَ ولا سِيَّما مَن عَرَفَ أمْرَ بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآياتُ، وكَيْفَ كانَ حالُهم في غَزْوَةِ خَيْبَرَ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ [المُرادُ] بِهَذا تَجْهِيلَهم وتَعْلِيمَهم حَقائِقَ الأُمُورِ، لا الشَّهادَةَ لَهم بِالهِدايَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ في ادِّعائِكم ذَلِكَ، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الصِّدْقِ إنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وهو الَّذِي خَلَقَ لَكم قُدْرَةَ الطّاعَةِ، فَهو الفاعِلُ في الحَقِيقَةِ فَلَهُ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: مَن لاحَظَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ وأحْوالِهِ فَإنْ رَآها دُونَ نَفْسِهِ كانَ شِرْكًا، وإنْ رَآها لِنَفْسِهِ كانَ مَكْرًا، فَكَيْفَ يَمُنُّ العَبْدُ بِما هو شِرْكٌ أوْ مَكْرٌ، والَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ المِنَّةِ كَيْفَ يَرى لِنَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَّةٌ، هَذا لَعَمْرِي فَضِيحَةٌ، والمِنَّةُ تُكَدِّرُ الصَّنِيعَةَ، إذا كانَتْ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وبِالمِنَّةِ تَطِيبُ النِّعْمَةُ إذا كانَتْ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
{"ayah":"یَمُنُّونَ عَلَیۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُوا۟ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَیَّ إِسۡلَـٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ یَمُنُّ عَلَیۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِیمَـٰنِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











